سجل اليمين واليسار الفرنسيان أمس تقدما على اليمين المتطرف بحسب تقديرات معاهد استطلاعات الرأي نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية أمس، وذلك في الدورة الأولى من الانتخابات الإقليمية التي تعتبر بمثابة اختبار لما يمكن أن يحصل في الانتخابات الرئاسية المقبلة في 2017، بحسب ما أفادت صحيفة الشرق الأوسط اليوم الإثنين (23 مارس/ آذار 2015).
وبحسب معاهد استطلاعات الرأي، فإن حزب «الاتحاد من أجل حركة شعبية» برئاسة الرئيس السابق نيكولا ساركوزي وحلفائه الوسطيين حصدوا ما بين 29.2 و32 في المائة من الأصوات. وأضاف المصدر نفسه أن مجمل أحزاب اليسار وبينها الاشتراكيون في الحكم، حصلت على نسبة تتراوح بين 23.2 و32.7 في المائة، في حين ستحصل الجبهة الوطنية (يمين متطرف) على ما بين 24.5 و26.3 في المائة من الأصوات.
وعلى الرغم من تقدم الوسطيين على اليمين المتطرف، الا ان مارين لوبن، زعيمة حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف، ترى هذه النتائج من مصلحتها على المدى البعيد. ولخصت لوبن بجملة واحدة طموحاتها من الانتخابات المحلية التي جرت دورتها الأولى في فرنسا أمس الأحد، بقولها: «بعد عدة أشهر (في شهر ديسمبر/ كانون الأول، تحديدا) سنخوض الانتخابات المناطقية وبعدها سننطلق للانقضاض على (قصر) الإليزيه»، بمناسبة الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في ربيع عام 2017.
ولمزيد من الإيضاح، أعلن ستيف بيروا، أحد قادة الجبهة، أن الهدف من الانتخابات الجارية «التهيؤ جيدا وتحضير الآلة الانتخابية بانتظار استحقاقات عام 2017»، الذي سيشهد عمليتين انتخابيتين أساسيتين هما الرئاسية والتشريعية.
ليست هذه هي المرة الأولى التي تعرب فيها لوبن عن طموحاتها الرئاسية. لكن وضعها اليوم أفضل مما كان عليه عام 2012 عندما خاضت الميدان الرئاسي للمرة الأولى بعد أن كان حكرا على والدها جان ماري لوبن الذي أورثها زعامة الحزب ومعها إمكانية مقارعة المرشحين الرئاسيين يمينا ويسارا. والفرق الأساسي ما بين اليوم والأمس هو أن اليمين المتطرف آخذ في إعادة تشكيل المشهد السياسي الذي لم يعد محصورا بالثنائية القطبية المتشكلة من اليسار المعتدل واليمين الكلاسيكي، إذ إن الجبهة الوطنية بما تمثله من 29 إلى 30 في المائة من الناخبين، وفق آخر استطلاعات الرأي، فرضت نفسها طرفا ثالثا وربما أصبحت القوة السياسية الأولى. ومن هذا المنطلق، تكمن أهمية هذه الانتخابات في أنها ستبين حقيقة ومدى التحولات الجارية وكيفية توزع القوى السياسية بعد نحو ثلاث سنوات من حكم الاشتراكيين. وفي أي حال، فإن نتيجتها ستبرز مدى انتشار أفكار وآيديولوجيا وأدبيات اليمين المتطرف وتحديدا في ثلاثة ميادين: العداء للمهاجرين سواء أكانوا شرعيين أو غير شرعيين باعتبارهم «يسرقون» فرص عمل الفرنسيين وتقديماتهم الاجتماعية، والعداء للإسلام باعتباره «غير متقبل» لقيم المجتمع الفرنسي وعلمانيته، وأخيرا العداء لأوروبا ولعملتها الموحدة باعتبارها تعديا على السيادة الوطنية الفرنسية.
وعندما سئل الرئيس فرنسوا هولاند، أمس، عقب قيامه بالاقتراع في عرينه السياسي السابق في مدينة تول (وسط فرنسا)، عما ينتظره من الانتخابات، أجاب بأنه ينتظر معرفة أمرين: الأول، نسبة مقاطعة الانتخابات ونسبة الأصوات التي ستحصل عليها الجبهة الوطنية. وفي تصور هولاند، فإن نسبة التغيب ستكشف ما إذا كان ناخبو اليسار قد طووا انتقاداتهم العنيفة إزاء السلطة الاشتراكية واستجابوا لنداءات التعبئة التي أطلقها هولاند ورئيس حكومته مانويل فالس وأمين عام الحزب الاشتراكي كريستوف كومبادليس للحد من الخسائر ومن حجم الكارثة السياسية المتوقعة، أم لا. أما بالنسبة لما ستحصل عليه لوبن فإنه سيدل على مدى تقدم آيديولوجيا اليمين المتطرف لدى كل شرائح المجتمع الفرنسي، وصورة ميزان القوى الجديد في فرنسا.
وكانت مراكز الاقتراع قد فتحت أبوابها منذ الساعة الثامنة صباحا لانتخاب 4108 مستشارين، في 2074 دائرة محلية (كانتون)، تتشكل منها المجالس في 101 قضاء. وجديد هذه الانتخابات التي لا تشمل العاصمة باريس ولا مدينة ليون، ثاني المدن الفرنسية، أنها للمرة الأولى في تاريخ فرنسا تفرض المساواة المطلقة بين الرجال والنساء بحيث إن كل لائحة تتشكل، وفق ما يفرضه القانون، من رجل وامرأة. والغرض من ذلك ليس فقط المساواة وإنما أيضا تجديد الجسم السياسي المحلي وتأنيثه.
وكان الحزب الاشتراكي وحلفاؤه يهيمنون على 61 مجلسا. بيد أن أكثر التوقعات «تفاؤلا» بالنسبة إليه تفيد بأنه سيخسر نحو ثلاثين مجلسا. أما الجبهة الوطنية، فرغم نسبة الأصوات المرتفعة التي ستحصل عليها، فإن ذلك لن يترجم آليا في عدد المجالس بسبب النظام الانتخابي والتحالفات التي ستقوم في الدورة الثانية. وينص القانون على أن اللائحة التي تحصل على 12.5 من أصوات المسجلين تتأهل للدورة الثانية، فيما اللائحة الفائزة منذ الدورة الأولى يتعين عليها الحصول على نصف عدد المقترعين شرط أن يشكلوا ربع عدد المسجلين. لذا، فإن للتغيب عن التصويت أهمية بالغة. وحتى الساعة الخامسة من بعد ظهر أمس، بلغت نسبة المقترعين 42.98 في المائة، وهو ما يشكل زيادة طفيفة عن الدورة السابقة في الفترة نفسها. وبينت نقاشات الحملة الانتخابية أن الجبهة اليمينية المتطرفة فرضت نفسها وطروحاتها على الطبقة السياسية. ورغم أن اليمين الكلاسيكي المتشكل من حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية، الذي يرأسه الرئيس السابق نيكولا ساركوزي ومن اتحاد المستقلين (يمين الوسط)، سيكون المستفيد الأول في عدد المقاعد والأقضية التي سيكسبها، إلا أنه سيجد نفسه في موقف حرج عندما سيتعين عليه الاختيار بين دعم مرشحي الجبهة الوطنية أو مرشحي اليسار.
وقبل أسابيع، أكد ساركوزي أنه «لا تحالفات ستجرى مع الجبهة الوطنية». لكن الخط السياسي الرسمي شيء والواقع الميداني المحلي شيء آخر. وبأي حال، لن يتأخر اليسار في اتهام ساركوزي وأصدقائه بـ«مسايرة» اليمين المتطرف وبرفض «الجبهة الجمهورية» التي يلتزم بها اليسار عادة. وتعني هذه الجبهة التصويت لصالح مرشح اليمين الكلاسيكي في كل الظروف من أجل «قطع الطريق» على لوائح اليمين المتطرف. وجاء أبلغ تعبير عن هذه الجبهة في عام 2003، عندما صوت اليسار لصالح المرشح الرئاسي جاك شيراك لإسقاط مرشح الجبهة الوطنية وقتها جان ماري لوبن. والمرجح ألا يدعو ساركوزي لا للتصويت للجبهة الوطنية ولا لليسار تاركا الحرية للناخبين.
لا شك أن اليسار سيجد في انتقاد اليمين الكلاسيكي مادة لـ«التغطية» على اللطمة التي ستلحق به رغم الجهود الكبرى التي بذلها فالس لتعبئة الناخبين وللتنبيه لخطر الجبهة الوطنية.
ورغم ذلك، ما زال اليسار الحكومي يأمل في تغير الأوضاع وعودة النمو الاقتصادي وقطف ثمار الإصلاحات الاقتصادية التي أجرتها الحكومات الاشتراكية المتعاقبة من أجل وقف تقدم البطالة وتخفيف العبء الضريبي الجاثم خصوصا على كاهل الطبقة الوسطى. وتراهن الحكومة الاشتراكية على تراجع سعر اليورو وانهيار أسعار النفط وتراجع سعر الفائدة، وهي ثلاثة عوامل لا بد أن تظهر مفاعيلها على الماكينة الاقتصادية المتعثرة.