العدد 4090 - الأحد 17 نوفمبر 2013م الموافق 13 محرم 1435هـ

الاستحواذ والكراهية

عبدالنبي العكري comments [at] alwasatnews.com

ناشط حقوقي

من أطرف ما قرأته في «الثقافة الأمنية»، التي تنشرها وزارة الداخلية كإعلانات في الصحف المحلية، هو أن عقوبة قتل حيوان عمداً قد تصل إلى السجن عاماً.

وتفكرت في أوضاعنا السريالية، حيث يسقط الأبرياء عمداً بالرصاص أو «الشوزن» أو التعذيب أو الغازات الخانقة، والذين يفعلون ذلك طلقاء أحرار.

كما أضحى اعتيادياً تحريض بعض المسئولين وقادة تنظيمات سياسية، وإعلاميين، ورجال دين على ما يجري من هذه الانتهاكات الفظيعة، ويعتبرون الدولة متهاونة ومتخاذلة في تصدّيها لمن يعتبرونهم جمعيات وقيادات إرهابية!

كما أنهم ينظِّرون لسياسة التمييز الطائفي، وبالمقابل سياسة الاستحواذ والامتيازات غير المشروعة. فما الذي أوصلنا إلى هذا الوضع الذي يعاقب فيه القانون قاتل قطة ويبرئ قاتل إنسان؟ ما الذي نزع الإنسانية من قلوب هؤلاء ليكونوا قساةً على إخوانهم من المواطنين، وحتى لو اعتبرناهم بشراً أغراباً، فلماذا لا يُتعامل معهم كبشر؟

حتى في نظام جنوب إفريقيا، حيث كانت الفظاعات التي ذكرناها سائدة، كان هناك العديد من البِيض، ممن غلّبوا إنسانيتهم، وامتلكوا الشجاعة ليتصدّوا لنظام الفصل العنصري، وقد زارنا في العام 2011 وفدٌ من منظمة حل الأزمات (Crises Resolution)، وبه ثلاثة من جنوب إفريقيا (أسود وآسيوي وأبيض) وكلهم ينتمون إلى المؤتمر الوطني الإفريقي، وناضلوا معاً ضد عنصرية الأقلية البيضاء. كما أن الأمين العام لمنظمة الشفافية الدولية كوب سدي ستيوارت الأبيض القح كان مسئولاً عن تنظيم المؤتمر الوطني الإفريقي لمدينة جوهانسبرغ، كبرى مدن جنوب إفريقيا. أما القاضية من أصل هندي نافي بيلاي، فقد كانت من أبرز المقاومين ضد نظام الفصل العنصري، رغم مكانتها وامتيازاتها كقاضٍ عالٍ، وقد سُجن زوجها لمدة 20 عاماً، لكنها لم تتراجع.

لماذا لا نسمع رأي من يتم ممارسة التمييز والإقصاء باسمهم وهم منه براء، ويرفعوا صوتهم ويشهروا موقفهم المناهض لهذه السياسات وهذه الممارسات اللاأخلافية واللاإسلامية واللاإنسانية. فالتاريخ لن يرحم من رأوا الظلم وسكت عنه. إني لا أعجب من فبركة منظمات تهتم بالحوار بين الأديان وتعايُش البحرينيين مع الأجانب، رغم أنه لا يوجد أي اضطهاد أو تمييز ضد الأجانب بمن فيهم الفقراء منهم من قبل شعب البحرين، مع وجود حالات فردية معزولة، في حين لا تنهض الجمعيات والنخب المجتمعية، وتتصدّى لما يجري من قمع واضطهاد وتمييز وإقصاء وتجويع وتخوين لغالبية أبناء الشعب.

أنا أفهم الاختلاف السياسي مع المعارضة، وأفهم حتى منطق الموالاة إذا كان صادراً عن قناعة، لكني لا أفهم مباركة وتأييد سياسات القمع والتمييز ضد الأغلبية والامتيازات للأقلية؟ لابد أن هناك أسباباً، فالظواهر السياسية والمجتمعية ليست سحراً أو طلاسم. أعتقد أن ما نعيشه اليوم ليس ابن لحظة تاريخية، وأنه ليس نبتة شيطانية، ولا يعني ذلك أننا كنا ملائكة وتحوّلنا إلى شياطين، أو أننا محسودون حسب ما يكرره بعض السذج، أو أنه من صنع الأجانب. إن ما يجري اليوم هو تراكم نتاج استراتيجية التمييز والإقصاء والامتيازات الموغلة في القدم، لكنها قفزت قفزةً نوعيةً منذ عقد تقريباً، وتفجّرت مع حراك الشارع في فبراير 2011، لتصحيح الوضع ووضع حد لسياسة الإكراه السياسي والتمييز الطائفي والاستحواذ الاقتصادي.

نعم الاستحواذ غير المشروع على الأراضي والثروات والمناصب والاقتراب من المحاسبة القانونية والإدارية والجنائية لصالح قلة، هو الذي يجعلها تمارس كل ما ذكرنا وتنظِّر له وتبرره، وبالمقابل تخوِّن المطالب بحقوقه، وتشيطن المعارضة، وتفبرك القضايا، وهؤلاء يجدون مصلحة في استمرار الأزمة التي يقتاتون منها، أما جمهورهم من البسطاء فهم مخدوعون مضللون، فالضحايا في الجانبين كما في كل الحروب والنزاعات من الفقراء.

لعل هناك بصيص أمل من قلة من الشجعان الذين جهروا بالحق وتحملوا الملامات والإقصاء أيضاً. إن دموع نهاد الشيراوي وهي تحتضن زميلتها الممرضة، وهي تبكي بحرقة على الشهيد الذي كانت تعالجه، ثم فصلها وتقديمها للمحاكمة، وتشبثها بموقفها، لهو نموذجٌ لهؤلاء الشرفاء، ولكن لابد أن يتحوّل ذلك إلى تيار مؤثر يتصدى لتيار الإقصاء والتهميش والانتقام، ليؤكد أن الحب ينتصر على الكراهية، والمساواة على التمييز.

إقرأ أيضا لـ "عبدالنبي العكري"

العدد 4090 - الأحد 17 نوفمبر 2013م الموافق 13 محرم 1435هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 7 | 6:19 ص

      دموع نهاد الشيراوي

      د. نهاد
      اعتذر منك فلم نستطع ان نقف بجانبك كما نرغب
      اعلم مدى الظلم الذي عانيتي منه.
      نعم كان هناك الكثير من الاطباء اللذين سجنوا وعذبوا اكثر منك واقيلوا من وضائفهم ولكن لم يعاني احد ما عانيتيه.
      جميعهم وجدوا التعاطف والبيئة الحاضنة التي ترفع من شأنهم وتشد على ايديهم.
      اما انتي فقد عانيتي الامرين.
      صدقيني اننا كنا نتألم لك ولكن للاسف لم نستطع مساندتك
      لقد صور الكثير دعم موقفك كانه توظيف سياسي لمعاناتك واحترمنا رغبتك في عدم الزج بك في هذا الصراع
      اسف مرة اخرى ولك الف تحية

    • زائر 6 | 4:33 ص

      تتعمق الجراحات

      شكرا لك استاذانا الكبير بمجاهدتك بلكلمة و وصع لاصبع على موضع الدمله , يوميا نرى هذه المأسي و هو امر واقع نلمسه كل لحظة , انها الكراهيه البغيضة تتعمق و تترك اثرها فى النفوس , ولكن لابد من مجاهدتها و القضاء عليها بالحكمة و الصبر و المثابره , فى سبيل محاريتها دفعت امم دمئها و بذلت كل نفيس لكى تتنفس هواء العدل و الانصاف و المساوة .
      نتمنى ان نرى فجر ذلك اليوم السعيد بدون كرهيه و لا طائفيه , وليس على الله ببعيد انشاء الله.

    • زائر 5 | 1:47 ص

      إطارات فاسدة المحتوى يديرها مستأجرون فاسدون بالوكالة

      إني لا أعجب من فبركة منظمات تهتم بالحوار بين الأديان وتعايُش البحرينيين مع الأجانب

    • زائر 4 | 1:14 ص

      عين الحق

      مقالك أصاب عين الحق ، وجعل الجميع في هذا البلد الطيب ان يقف مشدوها لما حدث ومازال يحدث ليومنا هذا من مواقف الزملاء والأصدقاء والجيران، وصدقت فان ما حدث لا يمكن ان يكون وليد اللحظة انما هو مشروع واستراتيجية تم العمل عليها من سنوات طوال، ولكن ما يحز في النفس موقف هؤلاء من من تمت برمجتهم لاتخاذ هذه المواقف المخزية او سكوتهم عن ما حدث ويحدث

    • زائر 2 | 12:16 ص

      انها الاحقاد والاطماع والجشع

      البعض لديه حسد وحقد على هذا الشعب لانه وبكل صراحة لا ينتمي حقيقة لهذا الشعب.
      البعض الآخر له مطامع وجشع خاصة في بلد يعتبر سوق رائج لممارسة الطائفية المقيتة بشتى صورها البشعة واين سيجد هؤلاء سوقا مثل البحرين لممارسة هذه الاعمال
      حاليا البحرين كل الامثلة السيئة تنطبق عليها وكل من يريد ممارسات طائفية يستطيع ذلك بلا رادع

    • زائر 1 | 10:17 م

      أنظمة

      والله إنّ الإنسان ليصاب بتعجب والإستغراب أن يوجد أنظمة بهذا التخلف والإستبداد في عصرنا الحاضر

اقرأ ايضاً