العدد 3999 - الأحد 18 أغسطس 2013م الموافق 11 شوال 1434هـ

تيه الهوية والوطن في «البامبو»

منى عباس فضل comments [at] alwasatnews.com

كاتبة بحرينية

إنه التيه بحثاً عن هويةٍ ملتبسةٍ ووطنٍ ضائع، ذاك الذي تتضمنه رواية الكاتب الكويتي سعود السنعوسي حيث يتخذ من شجرة «البامبو» دلالةً رمزيةً ومنطلقاً في البحث عنهما.

فـ «البامبو» كما يكتب «خلاف الأشجار ينمو أينما وضعته لا انتماء له، ينمو في أرض جديدة بلا ماضٍ ولا ذاكرة، له قدرة التعايش والنمو دون حاجةٍ إلى بذرةٍ وجذورٍ تضرب بامتدادها في الأعماق، وعلاقته بالأرض بسيطة التكوين والامتداد، وقدرته على التأقلم طويلة الأمد، «البامبو» في نموه نقيض العلاقات الإنسانية التي تشبه الأشجار العريقة في تاريخها وامتدادها في الأرض حيث يصعب اجتثاثها بيسر لتنمو في بيئة غير وطنها الأم». بيد أن أمين معلوف يرى في كتابه «البدايات»: «أن الجذور تتوارى في التربة، تتلوى في الوحل، تنمو في الظلمات؛ تبقى الشجرة أسيرة، منذ ولادتها، وتغذّيها لقاء ابتزاز»، «لو تحرَّرتِ، تموتين!... خلافاً للأشجار، لا تنبثق الدروب من التربة على هوى البذار. مثلنا لها أصل. أصل وهمي، فالطريق ليست له بداية حقاً؛ قبل المنعطف الأول، هناك في الخلف، ثمة منعطف آخر، ثم آخر. أصلٌ هارب لأن كل تقاطع انضمت إليه دروب أخرى آتية من بدايات أخرى».

وبين الجذور والساق، ثمة ما يكشف عنه الأصل الوهمي في راوية «ساق البامبو» حين يقارب السنعوسي شخصية البطل: «فالبامبو متحرر من الجذور الوهمية، له اسمٌ وهويةٌ جديدةٌ في كل أرضٍ يزرع فيها، فهو كاوايان في الفلبين، خيزران في الخليج، وبامبو في أماكن أخرى، تماماً كما «عيسى» أو «هوزيه» المولود لأب كويتي وأم فلبينية، عاش يحمل الاسمين والقلبين. «هوزيه عربوه» في الفلبين، و»عيسى الفلبيني» في الكويت، بيد إن المعضلة تفضح حال مجتمعاتنا المحلية حين تعجز جذور «عيسى» غرس نفسها والتمدّد في الكويت، حيث العصبيات التقليدية وسطوة منظومة العادات والأعراف التي تشكّل حياة الناس وتخضع لها الجماعات، فترفضه كون والدته «جوزفين» التي تزوجها والده «راشد الطاروف» عرفياً في لحظة علاقة عابرة ورغبة جامحة، كانت تعمل خادمةً بمنزل أبيه، ومفهوم السيد هنا سيد، والخادمة خادمة لا يمكنه تجاوز لغة الأوامر «هاتي.. اغسلي.. اكنسي.. امسحي.. جهزي.. أحضري»، تماماً كما سردت «جوزفين» لابنها: «كنت أغسل وأكنس وأمسح طوال اليوم، لأتفرغ في نهايته لأحاديث الليل، بعد نوم سيدات المنزل، مع أبيك في غرفة المكتب».

ولأن هوزيه عربوه «عيسى الفلبيني» يتربّى طفلاً في أحضان البؤس والفقر وسط عائلة جده «ميندوزا»، والد والدته الذي ُنسب إليه، فقد أصبح جزءاً من دوامة العوز متنقلاً بين مهن عدة حين بلغ العشرين، مثقلاً بحلم العودة إلى الكويت، ومن وقتها تتماهى رحلة بحثه عن لقمة العيش بالبحث عن هويته الملتبسة بين ديانة جده البوذية والمسيحية التي اختارتها له خالته، وبين الإسلام الذي طالما رغبت به والدته كونه مدخلاً يعزّز انتماءه لوطن والده، إلا أن الصدمة تمزّقه حين يعود للكويت ويتعاظم أمامه الضياع، فلم يجد الفردوس الذي حلم به وتمنى، وجد المال وافتقد الاعتراف والحنان والعائلة التي عاش بحثاً عنها في الفلبين: «كنت لا أملك شيئاً سوى عائلة، في بلاد أبي أملك كل شيء سوى عائلة. إنه قدري، أن أقضي عمري باحثاً عن اسم ودين ووطن... فالكويت وجوه عدّة، هي أبي الذي أحببت، عائلتي التي تتناقض مشاعري تجاهها، غربتي التي أكره، انتمائي الذي أشعر به إذا ما أساء أحدهم إلى أبنائها بصفتي واحداً منهم، هي خذلان أبنائها لي بنظرتهم الدّونيّة، هي غرفتي في ملحق بيت الطّاروف، مقدار كثير من المال، وقليل من الحب لا يصلح لبناء علاقة حقيقيّة. الكويت شقّة فارهة في الجابّرية يملؤها الفراغ، زنزانة ظالمة مكثت فيها يومين من دون ذنب، وأحياناً تكون أجمل، أراها بصورة عائلة كبيرة يحيّي أفرادها بعضهم بعضاً، في الأسواق والشّوارع والمساجد (السّلام عليكم، وعليكم السّلام)، أو بصورة رجل عجوز طيّب، يسكن بيتاً كبيراً أشاهده دائماً من شرفتي الصّغيرة يقف أمام باب بيته كلّ يوم بعد صلاة الفجر يحيطه رجال كثيرون بالـيونفورم الأصفر يحملون مكنسات وأكياساً بلاستيكية سوداء، يوزع عليهم المال والطعام. الكويت نورية التي تكرهني وترفض الاعتراف بي، أو عمتي عواطف، وجودي بالنسبة لها وعدمه سيان، الكويت تعطي ولا تعطي مثل عمتي هند تماماً، مجتمع يشبه بيت الطاروف مهما اقتربت منه تبقى بعيداً عن أفراده...» (ص324).

إذن هو الأصل الوهمي، «القبيلة» والأسرة ذات النفوذ الذي يلفظ الفلبيني ووضعه الطبقي «ابن خادمة»، فيعيش صراعات متداخلة يتشابك فيها التعصب والنفاق بين الأقوال والممارسات الملتبسة، بل والابتذال الذي يتمحور حول «قضية البدون»، وواقع المرأة في مجتمعاتنا. فالسرد يتناسل في سياق وجداني وإنساني يتصدي فيه السنعوسي ببراعة وشفافية، كاشفاً عن زيف وحقائق اجتماعية موجعة ومحرجة في آن، معلن عنها ومضمرة بتواطؤ يستبطن في ممارسات الأفراد، فتتزاحم الأحداث متحركة بين أزمنة مجتمعين مختلفين، الكويت والفلبين، بما يحملانه من تناقضات وتباينات شديدة في عمقها الإنساني والديني والاجتماعي.

فها هو واقع الغنى الفاحش مقابل الفقر المدقع، والعمالة المهاجرة ومعاناتها وعلاقتنا مع ذواتنا ومع الآخر، وغيرها من قضايا إشكالية متفاوتة، وقنابل موشكة على الانفجار ليس في الكويت وحدها إنما في المجتمعات الخليجية برمتها، في إطار تحولات اقتصادية وسياسية واجتماعية مزلزلة، ما جعل من عبارات «خوسيه ريزال» بطل الفلبين الثائر وثمن حريتها من قبضة الاستعمار الاسباني، مدخلاً لفصول الراوية يقدم عبرها المؤلف رؤية إنسانية وفهماً لممارسة جوهر العنصرية والعبودية في مجتمعاتنا المحلية «لا يوجد مستبدون حيث لا يوجد عبيد.. تسلط البعض لا يمكن حدوثه إلا عن طريق جبن الآخرين».

حين سئل السنعوسي عن دقة مقاربته الثقافية والسوسيولوجية في «ساق البامبو» أجاب: «في الفلبين، جُست بين البيوت التقليدية وتجوّلت بين الناس المحليين في أحيائهم الفقيرة، وتمكّنت من الاقتراب منهم ورصد سلوكهم ونمط معيشتهم وأساليب حياتهم، ومفردات ثقافتهم، وعندما عدت للكويت، كنت محملاً برصيد وافر من الخبرات ومخزون ضخم عن ثقافة مغايرة، عن الآخر الذي لا نعرفه ولا نعي خصوصية تكوينه ولا ثقافته... نعم، أنتقد فينا الخلل كأفراد وجماعات، نحن منغلقون على أنفسنا، ولا نُدْخٍلُ الآخرَ إلينا، وهذا قادم من إرث شديد التعقيد. لقد تقمصت الشخصية الرئيسية في الرواية بكل أبعادها وبكل ما لدى «الآخر» من خزين ثقافي وإنساني وعاطفي، فتابعت الأغاني والصحف والتلفزيونات الفلبينية، وترجمت إلى العربية بعضاً من إبداعه عن الانجليزية، وعشت الحالة أعواماً وتقصّدت أنْ أوجع القارئ، لكني لم أجد حلاً لهذا الذي يوجع، ولم أجد إجابة تفي عن سؤال «من نَحن؟، ومن الآخر؟».

ترى إلى أي مدى حرك «هوزيه» في ذواتنا الاستفهامات بشأن الانتماء الملتبس وازدواج الهوية في مجتمعات مختلفة وبين ثقافات متعددة ومتضادة في آن، قد نشعر فيها خواء قدرتنا على التماهي مع هوية دون أخرى، لاسيما ومجتمعاتنا تُضيق فسح التصالح مع الذات والآخر وتعدد الهويات، تماماً كما عبر « هوزيه» بمرارة:

- «من أين لي أن أقترب من الوطن وهو يملك وجوهاً عديدة، كلما اقتربت من أحدها أشاح بنظره بعيداً... من كان يقبل أن يكون له أكثر من أم سوى من تاه في أكثر من اسم... أكثر من وطن... وأكثر من دين؟».

وبرغم ذلك فالأمل يبقى فيما أورده المتصوفة «الإنسان مفتاح الكون»، يمكنه استبطان كل الهويات والحقائق، كل الاختلاف والتعارض في هوية كونية هي هوية الإنسان.

إقرأ أيضا لـ "منى عباس فضل"

العدد 3999 - الأحد 18 أغسطس 2013م الموافق 11 شوال 1434هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 2 | 4:20 ص

      صدقت

      ايه والله لا يوجد مستبدين حيث لا يوجد عبيد

    • زائر 1 | 2:57 ص

      للبامبو أصل وجذور

      البامبو شجرة يصل طولها الى 12 مترا دائمة الخضار ويعيش على اوراقها دب الباندا والبامبو من افضل المنظفات للبيئة فهي تضخ كميات هائلة من الأكسجين وتنظف التربة من المعادن والسموم ويصنع من اوراقها شوربة لا يزرع في كل مكان كما للبامبو جذور عميقة في الأرض وهي شجرة استوائية لا تزرع اينما كان فقط تزرع في بيئتها خاصة في الصين وجنوب شرق آسيا هذا للتوضيح لأن الكاتبة اخذت ببعض الأمور على علاتها قد يكون السبب عدم معرفتها ولم تفلح في اسقاطات البامبو على الواقع الإجتماعي وهي حالة تعيشها الكاتبة مع الشكر / سندرة

اقرأ ايضاً