العدد 3992 - الأحد 11 أغسطس 2013م الموافق 04 شوال 1434هـ

هل الدكتاتوريات «أفضل حالاً» من الديمقراطيات؟

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

كل قضايا العنف وعدم الاستقرار، تدفع باتجاه خلق «ردَّة» ما على هوية التغيير ومراميه، بحيث تجنح الناس إلى «اليمينية» أكثر منه إلى «اليسارية»

عندما أرى العنف في ليبيا، أتساءل: هل كان القذافي رئيساً «حكيماً» كونه تأمر على بلاده، طيلة أربعين عاماً، دون أن تحدث فيه اضطرابات؟ التساؤل ذاته يحضرني وأنا أرى العنف الدموي في سورية والاضطرابات السيا/اجتماعية في مصر وتونس واليمن.

الحقيقة، أن هذا الأمر هو مثار جَدَل. ولأنه ليس أمراً مبسَّطاً فهو يبقى مُعقداً، ومرتبطاً بأحداث الساعة. بالتأكيد، كل قضايا العنف وعدم الاستقرار، تدفع باتجاه خلق «ردَّة» ما على هوية التغيير ومراميه، بحيث تجنح الناس إلى «اليمينية» أكثر منه إلى «اليسارية».

والمهم من كل ذلك، هو هذا الجنوح المشار إليه، بحيث يُصبح التغيير الذي أمَّلَ عليه الناس شيئاً منبوذاً وغير مُستساغ في المزاج الشعبي. وعندما يحصل هذا الأمر، يدخل البلد، في حالة شَدٍّ عكسي، يقوده الرأي العام للناس، فيُصبح الاضطراب أوسع باباً.

فمثلما كان الشَّد العكسي قائماً في الأجواء التي خلقتها الأنظمة السابقة، ما بين تناقضاتها (ديكتاتورية/ فساد/ طائفية/ شَلليَّة) والمطالِب الشعبية (حرية/ عدالة/ ديمقراطية) يصبح الأمر ذاته متكرراً، ولكن بصيغة أخرى.

هذه الصيغة، تحكمها أساساً معادلة طرديَّة، ما بين الرغبة في التغيير والاستقرار السياسي (نجاح)، لتتحوَّل لاحقاً إلى معادلة عكسية، تقوم على أن سرعة التغيير تعني بطئاً في الاستقرار، أو بالأحرى، وجود التغيير يعني غياب الاستقرار (فشل) وهنا المشكلة.

بالتأكيد، فإن الأنظمة السياسية السابقة ليست أكثر رشداً من الأنظمة التي تلتها، ولم يكن الناس قاصِري عقلٍ وسلوك وهم يعيشون في كَنَفِ الأولى ليُساقوا بالحكم الفردي، ومجانين وسيئي التصرُّف وهم يعيشون في كَنَفِ الثانية، وفي أجواء تسييرهم لحريتهم، لكن الصحيح، هو أن المجتمعات، مليئة بالتناقضات السياسية والاجتماعية والثقافية. وهي تناقضات، عادة ما تخلق مناخاً مُستقطِباً ومُتغيِّراً وسريع الحركة ومُتبدل الولاءات، ولا تكون فيها الأفكار ثابتة.

غاية ما في الأمر، أن الأنظمة السابقة، مَنَعَت مثل هذه التناقضات لأن تنشط؛ خوفاً من قيام حركة سياسية مناهِضة لها، وبالتالي، كانت المجتمعات المحكومة، تعيش حالة «تأجيل» لانفجار تلك التناقضات، التي عادة ما تحتاج إلى فترة طويلة كي تتقارب أنويتها.

وعندما تَهجَع تلك التناقضات، أو تنكفئ على نفسها، لا يُصبح هناك رأي عام، ولا يكون هناك تبلور للمصالح المشتركة بين تلك التناقضات السياسية والاجتماعية والثقافية المذكورة، وبالتالي، لا تحكمها علاقات مدنية، أو متجاوِزة للأوليَّات، بل على علاقات بدائيَّة، ترتكز على ما نسمِّيه بـ «المعايِش المتجاورة» وليس على «العيش المشترك»

هذه «المعايِش المتجاورة» في العادة، لا تؤدي إلى صراعات في قاع المجتمعات، وفي نفس الوقت، تغيب عنها الهوية السياسية المفتَرَضَة، بل الوطنية منها، والتي عادة ما تخضع إلى التعريف الدقيق بالمصالح، سواء كانت سياسية أو ثقافية أو اقتصادية أو اجتماعية. لذلك، فإننا نرى، أن الحالة الوطنية، عندما تُستَنهَض، قبل وجود ذلك التعريف، فإنها تفشل في أبسط اختبارات المناعة، لتتحوَّل إلى «وطنيات» متشظيَّة.

هذا النوع من الأجواء، هو الذي كان سائداً في السابق، لذلك، كانت الأنظمة قادرة على المحافظة على مواصلة «التأجيل المستمر» للتناقضات. وباستمراره، يغيب الصراع الاجتماعي، وبشكل آلي الصراع السياسي من القاع باتجاه الهرم، وهو ما كان يُحافظ على وجود الاستقرار في تلك الدول، رغم كونه هو أيضاً حالة مؤجلة.

نعم، حَصَلَت هناك حالات من الصراع السياسي، بعضها كان جزئياً، والآخر شاملاً، قبل نضوج تلك التناقضات، وهو أمر مرتبط بطبيعة الأشياء الفيزيائية، التي تقوم على أن الضغط يُولِّد الانفجار، لكن الصحيح في ذلك الانفجار، هو أنه حَصَلَ «كيفما اتفق».

بمعنى، أن حصوله لم يكون مُبرمجاً وإنما كان متوقفاً على اكتمال دائرة الضغط، حتى وصَلَت الأمور إلى نقطة الانفجار. وقد بيَّنَت التجارب، أن جزئية ذلك الانفجار، عادة ما تتمّ معالجتها بالقوة المفرطة من قِبَل الأنظمة الحاكمة، بهدف التذويب والاحتواء، لكن الخطورة، تكمن في النوع الآخر من الانفجار، وهو الشامل.

والحقيقة، أن ذلك الانفجار الشامل، هو ما نشعر به اليوم في العديد من البلدان، التي وَقَعَ فيها الصراع، دون نضوج القيم الاجتماعية، التي تفرزها تلك التناقضات. فغياب الهوية المتجذرة، والمصالح المشتركة بين الناس، والقائمة على العيش المشترك (وليس المعايِش المتجاورة) عادة ما يخلق مثل هذه الصراعات بعد حصول التغيير السياسي.

نقطة أخرى يجب أن نذكرها لوجاهتها في هذه المعادلة، وهي المتعلقة بنفوذ الدول على بعضها، سواء أكَانت إقليمية أو دولية. فلم تعد هناك حدود جغرافية قوية، تفصل البلدان عن بعضها، وبالتالي عن تأثيرها على بعض. وهو شبيه بالكولونيالية البسيطة. هذا الأمر، يُساعد على إذكاء الصراعات في البلدان على أثير المصالح.

بالتأكيد، فإن هذا الأمر ليس جديداً، وقد رأيناه منذ القِدَم، وبالتحديد خلال التحولات السياسية في أوروبا وآسيا، وحتى في الولايات المتحدة الأميركية. قد يُسمِّيه البعض (ولدواع خاصة) بالمؤامرة، لكنه في الحقيقة، هو نوع من أنواع الصراع على المصالح، والإبقاء عليها من خلال النفوذ، وتثبيت الأقدام.

في المحصلة، فإن ما يظهر لنا، هو أن هناك علاقة وثيقة ما بين التغيير في الأوضاع السياسية، والتناقضات السياسية والاجتماعية والثقافية للشعوب، بحيث تكون المعالجة في الثانية، أسبق من المعالجة في الأولى. وفي الوقت نفسه، إدراك خطورة النفوذ بين البلدان.

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 3992 - الأحد 11 أغسطس 2013م الموافق 04 شوال 1434هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 11 | 9:47 ص

      يعطيك العافية

      من اجمل ما قرأت وفي الواقع سؤال كان يشغل بالي دائما ... ويحتاج بحث مطول

    • زائر 13 زائر 11 | 4:22 م

      الديمقراطية

      الشعب العراقي كان مرتاح مع قيادتة التاريخية العظيمة كان صدام حسين نمودج القيادة شخصية قيادية لايمكن ان تتكرر كان العراق في عهدة استقرار وامان والشعب العراقي كان موحد لاتفرق بين هدا شيعي اوسني ولامسيحي الان يفقدك الوطن العربي هدة من حزاتك ياابوعدي ولكن الامريكان لايريدون قائد بهدة الشخصية يريدون قيادة يلعبون بها ويديرونها حسب الموجة رحم اللة شهيد العصر صدام حسين كنت قائد شجاع اسقطتك الامبريالية الامريكية ومجي حكومة موالية لها ومن انجازاتها التفجيرات والقتلي علي الهوية مرة اخري مااحوجنا الي صدام

    • زائر 8 | 3:17 ص

      العصا

      العصا لمن عصا .. ما أراه صح يراه غيري خطأ .. والعكس صحيح .. فليست الديمقراطية هدف كل الناس .. ولو استفتيت كل علماؤك الثقاة .. هل الديمقراطيه هذه حلال شرعا .. عن نفسي اقول .. حرام شرعا

    • زائر 10 زائر 8 | 4:39 ص

      لا حول الله

      ليس صعبا أن الأنظمة الفاسدة من يشرع لها ظلمها ونهبها الذي لا يستره شيء سواء تحت ذريعة حرمة الديمقراطية أو ترك المفسدة . كاننا نعيش في ظل كنيسة القرون الوسطى

    • زائر 12 زائر 8 | 3:40 م

      رد على 10

      يا عمي الديمقراطية تسعي خلف اهواء الناس وأهواء الناس تختلف بإختلاف الزمان .. فهل لو فاز أكثرية من الفاسدين في الانتخابات سيطبقون شرع الله او على الأقل سيستنكرون المنكرات !! والاسلام اوجد الشورى وأختار ثقاة الناس وأصلحهم وأقومهم دينا وعلما .. فعندما تكون بين خيارين خاطئين فالافضل ان تتركهما وتختار طريق الله سبحانه وتعالى حتي وان كان الاعتزال حلا ..

    • زائر 5 | 3:06 ص

      العدل لا يبقى والظلم لا يبقى

      أستاذنا الفاضل لا توجد ديموقراطيات ولا توجد دكتاتوريات ولكن توجد مصالح ويوجد عبيد ويوجد احرار والعبيد حتى ولو أمطرت السماء حرية لاتقوها بالمظلات

    • زائر 1 | 1:48 ص

      تحية لك

      شكرا للاستاذ محمد على ما يخطه من أبحاث وليس مقالات واقعا متمنين له التوفيق دائما

اقرأ ايضاً