العدد 1257 - الإثنين 13 فبراير 2006م الموافق 14 محرم 1427هـ

عام على اغتيال الحريري (2)

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

اليوم تمر الذكرى الأولى لجريمة اغتيال رفيق الحريري. وحتى الآن تبدو الحكاية في بدايات فصولها ولن تعرف نهاية القصة الا بعد انكشاف زوايا لاتزال غامضة في المشهد السياسي العام. جريمة الاغتيال لم تكن حادثاً عارضاً في الحياة السياسية العامة. فهي جاءت في سياق عام بدأ في تدويل المسألة اللبنانية بمناسبة تمديد ولاية رئيس الجمهورية. وهذا السياق فرض شروطه الموضوعية على التحقيق في الجريمة، فانتقل الملف من القضاء المحلي ليوضع في دائرة التدويل. فالقرار 1595 وضع الجريمة في سياق القرار 1559 فجاء الحادث معطوفاً على التمديد ثم أعيد ربطه بقرار آخر (1636) ثم بقرار آخر (1644). دول مجلس الأمن تتعامل مع القرارات وكأنها حزمة واحدة. فهي بدأت بتدويل المسألة اللبنانية قبل اغتيال الحريري، واستمرت بخطة التدويل بعد اغتياله، ولاتزال تدفع بالقطار (بالقوة أو باللين) للوصول إلى النهاية التي تريدها. فالمسألة قانونياً خرجت من الرقابة اللبنانية وباتت القوى الكبرى تتحكم بتوجيهها، إلا أنها ميدانياً تعرض هذا البلد الصغير إلى مخاطر لا يقوى على تحمل نتائجها. فالمطلوب من لبنان سياسياً أكثر من قدراته وأوسع من دائرته الجغرافية. مسألة التدويل إذاً بدأت قبل اغتيال الحريري. وجاء حادث الاغتيال ليعطي زخماً للقرار 1559 ويسرع من حركته. وكانت النتيجة المباشرة اقدام القيادة السورية على اتخاذ قرار استراتيجي قلب المعادلة وعطل على التحالف الثنائي الأميركي ­ الفرنسي (المدعوم إسرائيلياً) تنفيذ خطط جاهزة. فالقرار السوري بسحب الجيش من لبنان احبط السيناريو العسكري، وخفض على دمشق الكثير من الضغوط المبرمجة، واربك واشنطن وباريس إلى فترة ليست قصيرة، ودفع الدول المعنية إلى إعادة التفكير في بعض الأمور. إلا أن المسألة لم تتوقف عند هذا الجانب الإقليمي من موضوع التدويل. فالقرار يتضمن مجموعة نقاط تمس استقرار لبنان ويطالب البلد الصغير دفع كلفة جريمة احتلال فلسطين مضافاً إليها القيام بمهمة أخرى تتعلق بسحب سلاح المقاومة (حزب الله) وتجريد البلد من ورقة قوة في وقت تتجه المنطقة إلى احتمال مواجهة. الحكاية إذاً طويلة ومتعددة الفصول. وخطورة الحكاية ليست في نهايتها فقط وانما في بدايتها وتحديداً حين تم الربط عن قصد بين القرارين 1559 و.1595 والقصد من الربط هو الدفع باتجاه توتير العلاقات الأهلية وتوريط الطوائف اللبنانية في تصادمات كارثية يمكن تجنبها في حال فصل سياسياً بين جريمة الاغتيال وموضوع التمديد. موضوع التمديد مسألة فرنسية ارادتها باريس لإعادة ترسيم دورها المفقود في دائرة «الشرق الأوسط». استغلت الولايات المتحدة الموضوع لأنها كانت بحاجة إلى تقديم جائزة ترضية للرئيس الفرنسي مقابل شراء موقفه المعارض للحرب الأميركية ­ البريطانية على العراق. وتحت غطاء الاعتراض على التمديد لرئيس لبناني توافقت أميركا وفرنسا على مسألة تدويل الموضوع المحلي من خلال ربطه بنقاط إقليمية. وهكذا تم تمرير مطالب خاصة بمصالح أميركا وأمن «إسرائيل» في موضوع عادي يتعلق بتعديل مادة في الدستور اللبناني. وبصدور القرار 1559 ربحت «إسرائيل» فرصة تعيد لها كرامتها من خلال الثأر من مقاومة حزب الله. وخسر لبنان الكثير بسبب توريطه بمهمات كبرى لا يقوى على تنفيذها. وكسبت فرنسا جولة في معركة عودتها إلى «الشرق الأوسط» من خلال البوابة اللبنانية. وارتاحت الولايات المتحدة من خصم أوروبي اعترض على حربها على العراق. وهكذا جاء القرار في إطار مقايضة دولية فرنسية ­ أميركية كسبت منه «إسرائيل» وخسر منه لبنان ودفعت سورية ثمنه... وحتى الآن الحكاية لم تصل إلى نهايتها. النهاية ­ كما تبدو الأمور ­ مفتوحة على احتمالات إذا استمر الضغط الدولي على لبنان لتنفيذ ما تبقى من بنود القرار. فالموضوع الفلسطيني قديم ومن الصعب حله لبنانياً من دون الرجوع إلى قرار دولي صدر بعد النكبة وينص على عودة الفلسطينيين إلى ديارهم. وموضوع سلاح حزب الله من الصعب حله وسط التهديد الإسرائيلي الدائم بإعادة تكرار العدوان. تبقى مسألة التمديد وهي عرضه للتأويل الدستوري ويمكن حلها إذا تفاهمت القوى اللبنانية على مخرج للموضوع. باستثناء الرئاسة اللبنانية كل الطرقات مقفلة لأن معابر الحل دولية وإقليمية وليست محلية. وهذا الأمر يعني أن مجلس الأمن أمام خيارات مفتوحة على احتمالات تقضي بعدم الربط بين الاغتيال والتمديد، وعدم الضغط على لبنان حتى لا ينفجر داخلياً. هذه الاحتمالات قد تساعد على استقرار البلد وتمنع انزلاقه نحو التصادم السياسي. ومشكلة مثل هذه الفرضيات أنها محكومة بسقف دولي تقوده أميركا، بالتنسيق مع بريطانيا وفرنسا، في دائرة إقليمية تمتد من إيران إلى فلسطين. وهذا شأن آخر لا صلة له بالتمديد ولا بجريمة اغتيال الحريري.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 1257 - الإثنين 13 فبراير 2006م الموافق 14 محرم 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً