العدد 3046 - الجمعة 07 يناير 2011م الموافق 02 صفر 1432هـ

الوحدة الوطنية والمواطنة وحادث كنيسة القديسين

محمد نعمان جلال comments [at] alwasatnews.com

سفير مصر الأسبق في الصين

إن الحادث الإرهابي الفظيع الذي تعرضت له كنيسة القديسين في الإسكندرية في أول ساعات العام الجديد يستحق أشد الإدانات من كل إنسان لديه أدنى إحساس بالإنسانية أو لديه ذرة من الإيمان بالله العلي العظيم الذي قال في محكم آيات قرآنه الكريم «من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً» ومع تقديري للمشاعر الإنسانية الخاصة بالعزاء، فإن أهم من ذلك أن يعمل كل واحد منا على نشر فكر التسامح والإخاء والمحبة ويقاوم الفكر المتطرف والفكر المنحرف الذي يتعارض مع كل القيم الإنسانية فضلاً عن قيم الأديان جميعاً.

ولا عجب أن كبار رجال الدين الإسلامي الحنيف وفي مقدمتهم فضيلة الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف والدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف والدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية أدانوا هذا الحادث البشع وعبروا عن روح الإسلام الحنيف المتسامح وكذلك قيادات إسلامية عبر البلاد بأسرها وهذا يدل تمام الدلالة على الروح الوطنية الخالصة لعنصري الأمة من المسلمين والمسيحيين على السواء.

أما المواطنة الحقة فقد عبر عنها الرئيس محمد حسني مبارك في إدانته الكاملة للحادث والتوجيه بسرعة الكشف عن الجناة ومعاقبتهم بما يستحقون لهذه الجريمة النكراء. وبالطبع نشير لجهود رجال الأمن وفي مقدمتهم حبيب العادلي وزير الداخلية ورجال القضاء وأيضاً النائب العام المستشار عبدالمجيد محمود ورجال القانون والدولة وفي مقدمتهم رئيس الوزراء الدكتور أحمد نظيف والدكتور مفيد شهاب وزير الدولة للشئون القانونية.

ولكن الذي لفت نظري هو اتصال في الصباح الباكر يوم الحادث من الدكتور عبداللطيف الزياني الوزير البحريني المعين أميناً عاماً لمجلس التعاون الخليجي الذي عبر لي كمواطن مصري عن خالص العزاء وطلب مني نقل تعازيه إلى فخامة الرئيس حسني مبارك وإلى سعادة اللواء حبيب العادلي وزير الداخلية، والدكتور الزياني كان رئيساً للشرطة في البحرين ومعروف بمواقفه الإنسانية واهتماماته بقضايا حقوق الإنسان ومبادراته ذات الطابع الإنساني ولهذا رغبت في التنويه عن ذلك عبر هذا المقال.

ولكنني كما أشرت في السطور السابقة أقول وأناشد كل مسئول، بل كل مواطن عليه أن يتحرك لتخليص مصر الحبيبة من هذا الوباء البغيض القائم على نشر الفكر المتطرف والمنحرف سواء بين المسلمين أو بين المسيحيين لأن حلقة العنف سوف تدور لتدمر الوطن وتمزقه شيعاً كما حدث في بلاد أخرى، ومن هنا مسئوليتنا كمثقفين وكمسئولين أن نبادر ليس إلى الإدانة فقط، وإنما العمل على كشف مدى انحراف مثل هذه التصرفات ودعاتها عن جوهر الإسلام أو المسيحية وكلاهما دين قام على الاعتدال والتسامح وتجنب إراقة الدماء والإساءة للمقدسات أو انتهاك الحرمات الدينية أو الأماكن الدينية أو ترويع الأبرياء.

وأنا أقول ذلك من تجربة شخصية تعرضت لها عندما دمر الإرهاب سفارة مصر في الباكستان العام 1995 بهدف الإساءة للوطن وبث الرعب في قلوب أبنائه وتخويف حماته والمدافعين عن ترابه في مصر والخارج وراح ضحية ذلك الحادث عدد من أبناء مصر البررة الذين استشهدوا وهم يؤدون واجبهم الوطني خارج أرض الوطن كما استشهد في الحادث عدد من أبناء الباكستان.

آنذاك لم أتردد في الوقوف مدافعاً عن تراب سفارة مصر في الباكستان في نفس الموقع واستمرار العمل، من داخلها وهي مهدمة مع زملائي من وزارة الخارجية ومن كافة أجهزة الدولة، نعمل بين الأنقاض حتى لا نترك الفرصة لدعاة الإرهاب أن يشعروا بالراحة أو الارتياح وإنهم هزمونا أو أدخلوا في قلوبنا الرعب والخوف وطلبت من أساتذة الجامعة الإسلامية آنذاك بعدم التفكير فيما يسمى بإقامة خيمة للعزاء، وقلت إن هذه أمور هامشية وإن الأهم أن تذهبوا كأساتذة وكرجال دين إلى مواقع عملكم وأن تنشروا الفكر الإسلامي المعتدل وإن مرتكبي الحادث ليسوا مسلمين فالمسلم الحق يعرف حرمة الدماء التي تحدث عنها القرآن الكريم والنبي محمد وغيره من أنبياء الله الذين أرسلهم دعاة ولم يرسلهم إرهابيين وطغاة لقد أرسلهم عقلانيين ومعتدلين ومتسامحين ينشرون المحبة والسلام والتسامح ولم يرسلهم فجرة يقتلون ويعيثون في الأرض فساداً ولذلك قال النبي محمد إنما أنا رحمة مهداة.

هذه كانت كلماتي آنذاك وإنا أتعرض لذلك الحادث الأليم البشع وهي كلمات ماأزال أرددها في كتاباتي وفي أحاديثي منذ ذلك الحين وسوف أظل أرددها وهي في نفس الوقت رسالتي لأئمة المساجد ورعاة الكنيسة أن انشروا رسالة المحبة وليس رسالة العنف أو الانتقام وأن احذروا الشائعات المغرضة المضللة ولقد كتبت أكثر من مرة لمواجهة مثل تلك الشائعات، مؤكداً أن إسلام مسيحي أو مسيحية لن يضيف للإسلام شيئاً وتنصير مسلم أو مسلمة لن يزيد من المسيحيين شيئاً ورغم إيماني بمبدأ الحرية الدينية فإنني أقتدي بما فعله الرسول محمد (ص) في صلح الحديبية عندما وافق مع كفار مكة بأن من جاء إليه من مكة وأنصارها يعلن إسلامه سوف يرده إليهم وأن من ذهب للمشركين من المسلمين ليعلن تخليه عن الإسلام فلا يطالبهم برده إليه وهذا عين الصواب فمن ذهب لدين غير دينه فهو يعني ضعف إيمانه بدينه ومن ثم فلا قيمة له ولا ينبغي أن يتباكى عليه أنصار دينه.

وكلمة أخيرة حول ما يسمى بالقاعدة وأنصارها فإنني أقول إذا كانت هناك مثل هذه المنظمة الإرهابية فيجب كشفها ومحاربتها بكافة الوسائل رغم أنني أشك في وجود مثل هذه الأخطبوط الذي يسمونه القاعدة ويستطيع أن يضرب في كل مكان ولكن هناك أناس منحرفون في كل بلد وفي كل دولة وإذا كان هؤلاء كما يروج أنصارهم يجاهدون في سبيل الله فلماذا لا يدافعون عن الفلسطينيين ويحاربون الاحتلال للأراضي الفلسطينية إن هؤلاء عملاء مأجورين لا قيمة لهم ولا بد من فضح الفكر المتطرف والمنحرف والوقوف صفاً واحداً للحفاظ على الوحدة الوطنية وعلى الوطن فهو الملاذ الرئيسي لنا جميعاً.

إقرأ أيضا لـ "محمد نعمان جلال"

العدد 3046 - الجمعة 07 يناير 2011م الموافق 02 صفر 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً