العدد 1120 - الخميس 29 سبتمبر 2005م الموافق 25 شعبان 1426هـ

المشكلة تتعدى المصطلحات

"الحق العربي في الاختلاف الفلسفي"

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

في كتابه "الحق العربي في الاختلاف الفلسفي" الصادر عن "المركز الثقافي العربي" يشرح الكاتب طه عبدالرحمن وجهة نظره في موضوع "حق الاختلاف". الاختلاف يبدأ برأيه من سؤال فلسفي يسميه "السؤال المسئول". وهو تعريفا "سؤال يسأل عن وضعه كسؤال بقدر ما يسأل عن موضوعه" "ص 14". وهذه مهمة "الفيلسوف العربي" الذي عليه أن يواجه مفهوم "الفكر الواحد" ومفهوم "الأمر الواقع" في آن. فالمعركة الأولى تولد العطاء والإبداع لأنه "لا عطاء بغير تميز ولا إبداع بغير خصوصية" "ص 17". والمعركة الثانية تفضي إلى "نقد الأمر الواقع الذي أخذ يفرض نفسه" "ص 18". فالأمر الواقع برأي عبدالرحمن "يخالف مبدأ الحق الذي تدعو إليه الفلسفة". "ص 19". هذا المبدأ "مبدأ الحق" يعطي الفيلسوف العربي الحق في الاختلاف الفلسفي عن "فلسفة الغير" "ص 21". ومبدأ الاختلاف يقوم برأيه على ضربين: اختلاف داخلي، واختلاف خارجي. الاختلاف حق ثابت "لكل أمم العالم" وهو حق طبيعي "لا تخترعه مؤسسة ولا يصنعه قانون" "ص 22". انطلاقا من هذه الرؤية الفلسفية والحق الطبيعي في الاختلاف يبدأ طه عبدالرحمن في نسج مشروعه آخذا بالأسباب "القومية" لحفظ خصوصية الفلسفة العربية وحمايتها من آفات ثلاث: التغريق "نسبة إلى الاغريق/ اليونان"، والتغريب، والتهويد. وهذه الحماية تتطلب ثلاثة أنواع من المواجهات وهي: المقاومة، والتقويم والإقامة. وأخيرا، ينتهي عبدالرحمن إلى خاتمة توليفية تؤكد عدم تعارض الفضاء الفلسفي القومي "العربي" مع "المقومات الإسلامية لهذا الفضاء". "ص 23". في هذا الإطار العام يضع عبدالرحمن مشروعه الفلسفي ودعوته إلى الاستقلال "حق الاختلاف" عن المنظومات المعرفية الأخرى في سياق خلافي/ حواري وضمن ضوابط تحفظ خصوصية المنهج الفلسفي العربي. فالحوار برأيه "يقتضي بالأساس وجود المنازعة" "ص 31". والمنازعة لا تتعارض مع الالفة والتعارف وهذا يعني أن حل الاشكال الخاص "الخصوصية العربية" يأتي بالحوار الاختلافي النقدي أو "الحوار الاعتراضي" الذي يحتاج دائما إلى "أدلة معقولة ومقبولة". "ص 33". فالأدلة البرهانية تؤسس منطق "الاختلاف الفلسفي بين الأقوام" وتضبطها تحت سقف "ميثاق فلسفي" يعطل الهيمنة ويستبعد "قوة السلطان" "ص 47". عبدالرحمن في مشروعه الفلسفي العربي يرفض فكرة "كونية الفلسفة". فالفلسفة برأيه هي "قومية" لأنها أولا ترتبط بـ "السياق التاريخي الاجتماعي"، وثانيا ترتبط "بالسياق اللغوي الأدبي"، وثالثا ترتبط بالاختلاف الفكري بين الفلاسفة حتى في "الأمة الواحدة"، وأخيرا لأنها تخضع إلى تصنيف قومي اعتمده المؤرخون في تقسيمهم للفلسفة "يونانية، فرنسية، ألمانية، إنجليزية، إيطالية" مضافا إليها صفات خاصة كالقول بـ "المثالية الألمانية" و"العقلانية الفرنسية" و"التجريبية الإنجليزية". "ص 54". كل هذه التقسيمات تؤكد كما يذهب عبدالرحمن وجود مدارس قومية تلغي فكرة "الكونية" وتشير إلى عناصر واقعية ترتبط بالوقائع والخصوصيات والهويات. وهذا الافتراق "الاختلاف" لا يلغي وجود جوامع نظرية تربط الاشكالات الفلسفية "مفهوميا" إلا أن المشترك العام "الاشتراك العام" لا يعني أن المفاهيم ليست مختلفة في رؤيتها "الاشتراك الخاص". وعلى هذا التوصيف يتوصل طه عبدالرحمن إلى مقولة تؤكد أن "فلسفة الإغريق ليست فلسفة كونية "..." وانما هي على الحقيقة فلسفة قومية" "ص 56". من هذه المقولة يبدأ عبدالرحمن بتلمس المشروع المستقل للفلسفة العربية "الإسلامية" انطلاقا من مسلمة أن العرب أقبلوا على الفلسفة "إقبال من يلتمسها في كل مكان" فنظروا إليها "على أنها فكر كلي ينطبق على كل العقول"، وذلك لسببين: السياق العلمي والبناء النظري. فالأول ربط الفلسفة بالعلوم والثاني ربطها بالخطاب الإنساني "العقلي". وفي هذا السياق ينتقد ابن رشد بصفته أكثر الفلاسفة العرب تصديقا "بكونيتها الكيانية" إلى درجة حاول تنقيتها "الفلسفة اليونانية" من كل "الآثار العربية التي نقلها إليه الفلاسفة الذين تقدموه كالفارابي وابن سينا" "ص 57". وبسبب ابن رشد خسر العرب فلسفتهم و"سهل على الأوروبيين استرداد بضاعة اليونان الفلسفية" باسم الكونية مع الزعم "أن أوروبا هي وحدها التي ابتدعت الفلسفة وأن غير الأوروبيين لاحظ لهم في هذا الإبداع" "ص 58". ويتحدث طه عبدالرحمن عن الفلسفة الألمانية وردها إلى أصول اغريقية ثم محاولة "تهويدها" في القرن الثامن عشر حين أخذت البروتستانتية "حركة الإصلاح الديني" تزداد قربا من اليهودية. وبسبب هذا الاقتراب اللاهوتي نجحت "الفلسفة اليهودية" في لعب دور الوسيط بين "الفلسفة اليونانية" و"الفلسفة الألمانية". وأكثر فيلسوف تأثر بهذه "الوساطة" كان كانط الذي نعته هيغل بـ "اليهودي المخجل" وانتقده نيتشه على "نزعته اليهودية" لأنه يجعل منهم "حفظة تاريخ اليونان وحضارتهم" "ص 61". ويسأل عبدالرحمن المتفلسفة العرب "المعاصرين" انطلاقا من رصده لمظاهر "تهويد الفلسفة" هل انتبهوا إلى هذه المسألة أم انهم مثل أسلافهم يعتقدون "ان الفلسفة هي دائما وأبدا معرفة كونية؟" "ص 65". بعد هذا السؤال الفضفاض يبدأ عبدالرحمن بتقديم أجوبة محاولا "وضع خطط خطابية لقيام فضاء فلسفي عربي". للتخلص من الفضاء المفروض على العرب باسم "الكونية" و"العالمية" بينما هو في حقيقته "فضاء قومي مفروض على العالم" "ص 66". وحتى يتخلص طه عبدالرحمن من براثن ذاك الفضاء يغرق في مفردات لفظية "بلاغية/ لغوية" بحثا عما يسميه "خواص القومية الحية" أو "القومية اليقظة". فيتحدث مثلا عن "القيام" و"القوام" و"القومة". ثم يتحدث عن "المقاومة" و"التقويم" و"الإقامة". وصولا إلى وضع ما يسميه "خطة المقاومة" وهي تبدأ بالاعتراض على "كل مفهوم منقول من الفضاء الفلسفي العالمي" "ص 71". المسألة إذا عند عبدالرحمن تبدأ بنقد المفاهيم المنقولة انطلاقا من نقد المصطلحات وتفكيكها والاعتراض عليها والبحث عن أصولها ومصادرها. وبرأيه أن معظمها "متهود". وحتى نتخلص من هذه الآفات لابد من "التعريب". ومبتدأ التعريب يجد خبره عند عبدالرحمن في نقد تلك المفاهيم والمسائل الموضوعة "في الفضاء الفلسفي العالمي المتهود". وهذا يتم بالاجتهاد والارتقاء "بالمعاني الطبيعية التي تدور في مجالك التداولي إلى رتبة المفاهيم الصناعية وذلك بالاستدلال عليها وبها" "ص 77". المشكلة إذا عند الكاتب هي مشكلة "مصطلحات" لأن "قوة الاصطلاح غدت لا تقل عن قوة السلاح" وهي تساعد على "خلق فضاء فلسفي عربي يستند إلى قومية حية" تسعى إلى التخلص من الصور الثلاث: الاغريقية، والأوروبية، واليهودية. انطلاقا من هذه المشكلة "المصطلحات" يؤسس عبدالرحمن لنفسه مشكلة فلسفية حين يغرق في تقسيمات لفظية تعتمد على مصطلحات لغوية تبحث عن خصوصية بيانية لا تتصل منهجيا في جوهر المشروع. فالمشروع في أساسه يحتاج إلى منهج يتجاوز معاني الكلمات والقواميس اللغوية ويقرأ السياق الفلسفي - التاريخي لتطور المعرفة، وكيف نؤسس منها معرفة تاريخية تقرأ الحوادث "الزمان" والأفكار "الفلسفة" في نسق كوني "عالمي" من دون أن تسقط الاختلافات "الأقوام والقبائل واللغات" أو تغيب النزاعات والصراعات. فالمسألة تبدأ بالمنهج التاريخي ولا تقتصر على مفردات لغوية "بيانية". والبحث عن الاختلاف لا يبدأ بالمصطلحات بل بالمصالح "المرسلة" و"الوقائع الجارية" ومنها ينطلق التأسيس في ضوء إعادة قراءة نقدية للتاريخ الإسلامي "العربي" والفلسفة الإسلامية "العربية". فالتصحيح يبدأ من الداخل لا الخارج وهذا لا يعني إسقاط دور الخارج "العولمة" وتجاهل تأثيره على الداخل وإسهامه في كسر أنماطه أحيانا ومنع تطوره أحيانا أخرى. "الحق العربي في الاختلاف الفلسفي" هو حق طبيعي ومشروع إلا أنه يجب أن ينطلق من التاريخ العربي "الإسلامي" وكيف تعامل مع نفسه وغيره؟ وكيف تأسس معرفيا؟ وكيف استقلت منظومته عن المظلة الإغريقية؟ ولماذا تراجعت تلك المنظومة المستقلة؟ وكيف أعيد ربط الفلسفة العربية "الإسلامية" منهجيا بالفلسفة الإغريقية "الأوروبية الحديثة"؟ وكيف يمكن إعادة الاستقلال مجددا من خلال تأصيل المعرفة لا بصفتها مجموعة ألفاظ ومفردات وانما لكونها قراءة تاريخية في تطور المنهج من بداياته النظرية "الجرح والتعديل" إلى ترجمته الاجتماعية "العمران البشري"؟ من هنا تبدأ المشكلة وربما من هنا نجد الحل أو ما يسمى الاستقلال الفلسفي "العربي الإسلامي" في سياق التطور الكوني.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 1120 - الخميس 29 سبتمبر 2005م الموافق 25 شعبان 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً