العدد 990 - الأحد 22 مايو 2005م الموافق 13 ربيع الثاني 1426هـ

التجار: البيع الآجل جزء من حياة المستهلك... ونحن نعرف حاجاته الأساسية

الشراء بالتقسيط... وعاء النقود المثقوب

هل يستطيع أي مواطن اليوم أن يعيش من دون قروض؟ هل يستطيع الوفاء بمتطلباته الأساسية وتربية عائلة وتعليم أبنائه من دون أن يلجأ إلى الاقتراض من أكثر من مصرف كما أصبح سائدا اليوم؟ من الصعب ان يحدث ذلك، وقد تعطينا الإحصاءات الكثير من الأرقام المذهلة التي تظهر إلى أي مدى أصبح المواطن يعتمد في كل شيء على الاقتراض حتى في المتطلبات البسيطة.

لكن كيف ينظر المستهلكون والتجار إلى هذا الأمر؟ كيف يفكرون في مسألة الاقتراض والعيش على الديون لسنوات طويلة قد تمتد إلى 15 عاما وأكثر؟

الكثير منهم يرى أن الاقتراض أصبح حقيقة لا مفر منها في ظل الظروف المعيشية ومستويات الأجور السائدة، لكنهم يتمنون من صميم قلوبهم أن يتغير الحال. وبعضهم يرفض ذلك تماما لكن المشكلة ان البدائل محدودة ان لم تكن معدومة.

التقسيط والحاجات الكمالية

إحسان محمد الذي يقيم في البحرين منذ عدة سنوات لا يؤيد على الإطلاق الشراء بالتقسيط لأنه يشجع المستهلك على شراء سلع بقيمة تفوق طاقته المادية.

يقول محمد البالغ من العمر 45 عاما ويعمل لدى إحدى المؤسسات التجارية: "لا أؤيد الشراء بهذه الطريقة لأن المستهلك قد يتم إغراؤه بقيمة القسط الشهري المترتبة عليه وبالتالي لا يفكر في القيمة الإجمالية للسلعة التي قام بشرائها والتي ربما تكون أكثر من طاقته الحقيقية".

ويضيف "يستطيع المستهلك ان يحدد احتياجه الفعلي للسلعة وقدرته على امتلاكها وفقا لإمكاناته الحقيقية بينما عروض التقسيط تدفع بالمستهلك إلى اقتناء سلعة قد لا يحتاج إليها فعليا وخير مثال على ذلك اقتناء سيارة غالية الثمن على رغم توافر سيارات أقل ثمنا ولكن إغراءات عروض التقسيط والتسهيلات المقدمة من المصارف عوامل كثيرة قد تدفع بالمستهلك إلى تحمل أعباء مالية إضافية على قدرته الواقعية".

وعلى رغم تحفظات محمد على الشراء بالتقسيط فإنه يعود إلى القول: "لاشك ان التقسيط قد يسهل شراء بعض الاحتياجات الأساسية فيما لو لم يتمكن الفرد من الشراء نقدا ولكن في حالات الضرورة والحاجة الحقيقية وليس بهدف مجارات الموضة والمظاهر الاجتماعية".

فيما يعتقد محمد أن الأجنبي المقيم قد يكون أكثر حذرا من المواطن عند الشراء بالتقسيط نظرا إلى ظروف معيشته التي لا تبدو مستقرة من الناحية الوظيفية مقارنة بالمواطن.

رمزي أحمد "32 عاما" يرى الموضوع من جانب آخر جديد مرتبط بالعادات الاستهلاكية المتزايدة لدى الناس الذين ينفقون أحيانا أكثر من دخلهم.

يقول رمزي: "المشكلة أنه لا يمكن لوم الناس كثيرا لأن التجارة اليوم أصبحت تعتمد على الإعلان بالدرجة الأولى. الإعلانات تغذي الميول الاستهلاكية لدى الناس وتجعلهم أحيانا يحلمون كثيرا فوق طاقاتهم وفوق إمكاناتهم المادية. لا يوجد أحد اليوم يستطيع ادخار مبلغ ولو بسيط الا في حالات نادرة".

من ناحية أخرى، يرى أحمد أن هناك حالا من عدم الانضباط في السوق في ميادين مختلفة. ويضرب مثالا على ذلك الفوضى السائدة في ميدان الإنشاءات وسوق المقاولات.

يوضح وجهة نظره قائلا: "ليست هناك أية مقاييس معتمدة في هذه السوق تضع. ليس مقاييس ثابتة للأسعار، بل حدا أدنى يمكن ان يلبي احتياجات الناس. المقاولون يضعون الأسعار من دون ضوابط وبمبالغة أحيانا. صحيح ان تحديد الأسعار يخضع للعرض والطلب إضافة إلى نوع الخدمة التي يقدمها هؤلاء، لكن الملاحظ هو أنهم يميلون دوما إلى فرض هوامش عالية من الأرباح".

يضيف "الأمر نفسه يعتمد على الخدمات الأخرى المرتبطة بمشروعات البناء، فقد أدت هذه الفوضى وانعدام الضوابط إلى ارتفاع غير حقيقي في كلفة بناء المنازل. وإذا أضفنا إلى ذلك أيضا المتطلبات الأخرى للحياة وتربية عائلة، نجد ان المستهلكين لا يملكون أي بديل لتمويل متطلباتهم سوى الاقتراض".

ويرى أحمد الذي ترك وظيفته في القطاع الخاص ويعمل الآن في مجال البناء مقاولا فرعيا، "ان المطلوب هو إيجاد بدائل تمكن المواطن من تحقيق متطلباته من دون ان يترك ليواجه سوقا لا تحكمها ضوابط وارتفاعا في مستوى السلع والخدمات أيضا".

لا مفر منه

أمام عدم تأييد محمد الشراء بالتقسيط طرحنا بعض الأسئلة بشأن إمكان اقتناء بعض السلع كالسيارات والأثاث المنزلي في ظل مستويات المعيشة السائدة بين معظم شرائح المجتمع ومتوسط الأجور التي يتقاضاها الأفراد.

إبراهيم الشيخ الذي يدير أحد معارض السيارات التي تتعامل في البيع بالتقسيط اعتبر اللجوء للشراء بالتقسيط حقيقة لا مفر منها.

يقول الشيخ: "الحقيقة لم يعد بالإمكان اقتناء أية سلعة من دون اللجوء إلى التقسيط لأن واقعنا المعيشي يفرض علينا اللجوء إلى الشراء أو البيع بالتقسيط".

ويضيف "بالتأكيد التاجر يود البيع نقدا ولكن أين السيولة؟ التاجر هو مواطن أصلا ويعرف أوضاع الناس الحقيقية لذلك يلجأ إلى عرض السلع للبيع بالتقسيط".

فيما يرى الشيخ ان قرارات مؤسسة نقد البحرين في العام 2005 بفرض بعض القيود على منح القروض لا تبدو واقعية على الإطلاق.

يقول الشيخ: "كان الأجدر بمؤسسة نقد البحرين ان تجبر المصارف على خفض نسبة الأرباح والضغط عليها لكي تمنح التسهيلات للمواطن".

ويضيف "لا يلجأ المستهلك إلى التقسيط الا لحاجة أساسية. الكثير من السلع التي كانت تبدو في الماضي من الكماليات أصبحت الآن من الاحتياجات الأساسية وعلى رأسها اقتناء السيارات. الآن لا يستطيع الفرد ان يحصل على فرصة عمل من دون ان يمتلك سيارة خاصة به تسهل انتقاله. لكن السؤال هل يستطيع المواطن امتلاك سيارة والدفع نقدا؟ لا اعتقد أن هذا أمر متاح من دون اللجوء إلى الشراء بالتقسيط".

وفيما إذا كانت العروض المغرية للبيع بالتقسيط قد تؤدي إلى اندفاع المستهلك لشراء سلع قد لا يكون بحاجة إليها فعليا يقول الشيخ: "هذا غير صحيح. فجميع السلع التي تعرض بالتقسيط هي من الاحتياجات الضرورية للفرد. والمستهلك قادر على التمييز بين احتياجاته الأساسية والكماليات غير الضرورية".

يتفق علي عبدالله الذي يعمل مديرا مسئولا في مؤسسة لبيع الإلكترونيات مع الشيخ في أن البيع بالتقسيط يضع حلولا واقعية لتسهيل اقتناء احتياجات فعلية للناس.

التقسيط للحاجات الأساسية

ويشير عبدالله إلى أن أوضاع الناس وما يترتب عليهم من التزامات مالية تدفع بالتاجر إلى اللجوء إلى البيع بالتقسيط على رغم ما يترتب عليه من مخاطر لتحصيل سداد قيمة السلعة.

يقول عبدالله: "هناك ما نسبته 85 في المئة من الأسر البحرينية لديهم التزامات تجاه المصارف على شكل قروض يتم تسديدها شهريا. والمصارف بدورها تقوم بأخذ ما يصل إلى 45 في المئة من الراتب وهذا ما يشكل أعباء مالية على المستهلكين سواء كانوا من البحرينيين أو الأجانب المقيمين. لذلك، فإن عملية التقسيط أصبحت حيوية لكي يستطيع الشخص ان يحصل على احتياجاته الضرورية".

ويستدرك عبدالله بالقول: "بالتأكيد، يحبذ التاجر ان يبيع نقدا ولكن السيولة غير متوافرة لدى المستهلك. لذلك يلجأ إلى العرض بالتقسيط وبالتالي تحمل مخاطر البيع بهذه الطريقة".

وعن مخاطر البيع بالتقسيط بالنسبة إلى التاجر يقول عبدالله: "كما تعلمون هناك تقسيط آمن وهناك تقسيط غير آمن.

بالنسبة إلى التقسيط الآمن فإنه يحصل عن طريق شركات للتمويل إذ يتم الاتفاق بين التاجر والمؤسسة المالية على أن يقدم الأول أوراق أحد الزبائن وتقوم المؤسسة المالية بالموافقة على تمويل قرض المستهلك ويتم الاستقطاع من راتب المستهلك. وأيضا الشراء عن طريق بطاقات الائتمان إذ يحصل التاجر على قيمة السلعة من بطاقة الائتمان ويتولى المستهلك السداد المباشر للمصرف الذي يتعامل معه. في حين يأتي التقسيط غير الآمن عندما يقوم التاجر باختيار الزبون المناسب الذي يستطيع سداد قيمة القسط المترتب على عملية شراء السلعة. وبهذه الطريقة تتشكل بعض المخاطر لدى التاجر بشأن إمكان سداد القسط الشهري المترتب على الزبون وهنا تترتب المخاطر بشأن إمكان التسديد وأيضا تكون هناك أرباح أكبر بالنسبة إلى التاجر كون البيع تم بالتقسيط".

وعن اقبال المستهلك على الشراء بالتقسيط يقول محدثنا: "اعتقد ان الإقبال على الشراء بالتقسيط يلقى رواجا أكثر من البيع النقدي. فهناك ما نسبته نحو 90 في المئة من زبائننا يرغبون في الشراء بالتقسيط وليس عن طريق الدفع النقدي وهذا مؤشر على عدم قدرة الناس على اقتناء احتياجاتهم الضرورية عن طريق الدفع النقدي ما يشجع التاجر على زيادة العروض على البضائع عن طريق الدفع بالتقسيط". وعما إذا كانت نسبة الأجانب عالية في هذا القطاع، يقول عبدالله: "الحقيقة إننا لا نتعامل مع الوافدين لأن أوضاع الوافد غير آمنة نظرا إلى ارتباطه بعقود تختلف من حيث فتراتها الزمنية. كما ان تعاطي قانون العمل مع الأجانب قد لا يبدو منصفا مقارنة بالمواطنين. لذلك يبدو البيع للأجنبي عن طريق التقسيط يفتقر إلى عنصر الثقة على رغم ان الأجنبي قد يبدو أكثر التزاما بتسديد التزاماته المادية.

ولكن عدم توافر عنصر الأمان من حيث استمراريته في العمل يجعل التعامل تترتب عليه بعض المخاطر في حين ان الوصول إلى المواطن البحريني بقصد سداد الالتزام المالي أسهل بكثير مما هو الحال في التعامل مع المقيم"

العدد 990 - الأحد 22 مايو 2005م الموافق 13 ربيع الثاني 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً