العدد 886 - الإثنين 07 فبراير 2005م الموافق 27 ذي الحجة 1425هـ

نحن... وعالمنا الجنوبي الخائب

عادل مرزوق Adel.Marzooq [at] alwasatnews.com

-

"خمس سكان العالم يعيشون في البلدان الأكثر ثراء" التقرير العالمي للتنمية البشرية تبلغ مساهمة بلدان الجنوب قاطبة في الموازنة العالمية الموجهة للبحث العلمي 10 في المئة فقط، في حين لم يبلغ منالها من جملة البراءات المسجلة عالميا إلا نحو 2 في المئة. في البلدان المتقدمة نجد أن كل مواطن من بين اثنين مرتبط بشبكة الانترنت، بينما تقدر النسبة في البلدان النامية بمواطن واحد من بين كل 250 مواطنا. في ظل هذه المؤشرات الخطيرة، تبقى خيارات المجتمع المعلوماتي أشبه بالمستحيلات الجميلة.

ويذهب كاتب الدولة التونسي منتصر وايلي إلى أهمية إعادة ترتيب التجمعات الإقليمية والاقتصادية، بما يتوافق مع كونية معلوماتية متوقعة، أو قائمة فعلا. وحتى تستطيع الدول إنهاء ما يسمى بالفجوة الإلكترونية، فبقاء الفجوة الإلكترونية القائمة بين دول الجنوب والشمال يجر العالم إلى حال من القلق والتفكك. هذا القلق لا يهدد دول الجنوب لوحدها بل يجر معه دول الشمال في مستنقع من الفوضى. ويؤكد منتصر وايلي أهمية الاعتماد على عمليات إعادة الجدولة الكونية في ضوء الاعتبارات الآتية:

تأكيد مكانة بعض البلدان المصنعة التي تنتج التكنولوجيات، وتمتلك رصيدا معلوماتيا كبيرا.

إعادة هيكلة مجموعة البلدان النامية التي غالبا ما تتوافر لها الموارد الطبيعية، لكنها تبقى مستهلكة للتكنولوجيات، وتفتقر إلى القدرات الذاتية والمحلية لتطوير هذه التكنولوجيات، أو حتى تطويعها.

بروز بلدان ذات اقتصادات صاعدة، تتوافر لديها بالخصوص الخبرات والقدرات الذاتية، وهي قادرة على النهوض، إذا توافرت لها الظروف الموضوعية على توظيف هذه التكنولوجيات، وتطويرها، والاستفادة منها.

إن الإهمال المتعمد لأي من هذه الاعتبارات قد يفضي إلى صورة صراع بين الشعوب والحضارات، خصوصا إذا ما لاحظنا وتنبهنا إلى الدور الذي لعبته المعلوماتية والتقنية في الحروب الحديثة.

مفهوم "الفجوة الرقمية"

في ظل هذه النتائج والمعطيات نشأ مفهوم الفجوة الرقمية، بمعنى أن القيمة الكمية سواء في الإنتاج أو التبادل للمعلومات في دول الشمال تتفوق بما لا يدعو للشك على مثيلتها في دول الجنوب. وتلعب الكثير من العوامل دورا مهما في زيادة حدة هذه الفجوة الرقمية، وتبعا لها تنشأ لدينا الفجوة المعرفية والفجوة الاتصالية، وطبعا الفجوة التنموية.

هذه الفجوات مجتمعة تجعل من هذا المفهوم "الفجوة" حقيقة مقلقة وتحتاج إلى البحث والدراسة. كيف تنفق الولايات المتحدة في العام 2003م، 40 مليار دولار على الثقافة والفنون، بينما لا تصل مجموع الموازنات العامة في دول جنوبية مجتمعة إلى هذا الرقم. هذا يتيح لنا إجابة مضمرة على السبب الحقيقي الذي يقف وراء تنامي هذه الفجوة.

الذي يهمنا هو الإجابة على سؤال رئيسي، وهو كيف تتعامل وتتفاعل الدول في الجنوب مع هذه المضامين وهذه الفجوة تحديدا؟ تذهب بعض التوجهات إلى الإيجابية في التعامل مع هذه الأزمة عبر التنمية المستدامة ووضع الخطط العلمية القادرة على النهوض بالمجتمعات وتبقى التجربة التونسية في الريادة عربيا، تليها البحرين والإمارات العربية المتحدة ولو كانت في صور لا تحتمل المراهنة على نجاحها. أما تجمع دول النمور الآسيوية والهند فيمثلان التعامل الأبرز مع الفجوة الرقمية آسيويا. أما السلبية في التعامل مع هذا الواقع فهو السائد لدى دول الجنوب عامة.

يذهب نائب رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية المصري حسن أبوطالب، إلى ضرورة صوغ جهد جماعي عربي لسد الفجوة الرقمية وذلك من خلال توفر سقف جيد من الحريات الحقيقية التي تساعد على الإبداع والابتكار. وصوغ مجتمع يتمتع بحال "المؤسسية"، والتي تتكامل في ما بينها لتضع هذا المجتمع في مصاف المجتمعات المنتجة للمعرفة.

لابد أن تتوافر عملية تعليمية حقيقية تمس الأجيال وشرائح المجتمع كافة، وتضعهم دائما على الأبواب أو المراحل الأولى لإنتاج المعلومة واستيعابها، ثم أيضا تحويلها إلى نمط حياة يتعلق بمعرفة حديثة قادرة على العطاء والإنتاج. لذلك يتطلب منا البحث عاجلا في حال الأمية في بلداننا وعن حال الثقافة والمؤسسات الثقافية والحريات الأساسية.

المجتمعات المتقدمة اقتصاديا ترى أن المعرفة تساوي ثروة، وهي جزء من الإنتاج. ومن يملك المعرفة يملك الثروة ويملك التقدم والتكنولوجيا. والمجتمعات الأقل تقدما أو التي تندرج ضمن "المجتمعات النامية" ومن بينها جل البلدان العربية، هي مجتمعات تفتقر إلى المعرفة وإلى التقنية ومن ثم إنتاجها ضعيف ومركز في المواد الأولية وحسب، وهذا يعطينا مؤشرا كبيرا عن مدى حاجة المجتمعات العربية إلى الحريات والمؤسسات التي تحافظ على هذه الحريات.

إن الحقيقة التي لابد أن نتنبه لها، أننا في تفاعلنا مع المعلوماتية والإنترنت مستهلكون سيئون لا أكثر، على رغم انتشار مظاهر الانترنتية في الوطن العربي، فإن الحقيقة أننا مازلنا لا نستطيع إنتاج المعلومة، ولأن أنتجنا معلومة فهي تبقى حبيسة الإقليم العربي، بمعنى أنها فاقدة لشرط الكونية الرئيسي "اللغة الإنجليزية" والتي تسعى لها المنظومة الكونية العالمية.

إن من أهم الإجراءات التي لابد للدول العربية أن تسعى لها خلال المرحلة المقبلة الاهتمام ببرامج التنمية المستدامة والتعليم عبر الانترنت، وتطوير البرامج الأكاديمية المختصة بالهندسة التقنية والبرمجية للانترنت. لابد من اشتغالات جادة تدعمها الدولة، والتي يعول عليها الكثير في صوغ الحراك الاجتماعي نحو مجتمع المعرفة والتكنولوجيا الرقمية

إقرأ أيضا لـ "عادل مرزوق"

العدد 886 - الإثنين 07 فبراير 2005م الموافق 27 ذي الحجة 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً