العدد 2836 - الجمعة 11 يونيو 2010م الموافق 28 جمادى الآخرة 1431هـ

الولايات المتحدة وإسرائيل: المهمة المستحيلة (2-2)

شفيق الغبرا- وينشر بالتعاون مع مشروع منبر الحرية 

11 يونيو 2010

بينما ننتظر من الرئيس أوباما تغييراً، وخاصة أنه يعرف الكثير عن المسألة الفلسطينية، إلا أنه في التاريخ المديد بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي لم يتغير المنطق الأميركي المنحاز. فقد دعمت الولايات المتحدة شاه إيران ضد الرئيس الشعبي الوطني مصدق، لكنها انتهت بثورة الخميني الإسلامية، ودعمت الولايات المتحدة إسرائيل ضد القومية العربية وعبدالناصر فانتهت بالحركات الأصولية المعادية للغرب، ودعمت الولايات المتحدة قيام إسرائيل بغزو لبنان العام فانتهت بحزب الله في جنوب لبنان. ودعمت المجاهدين الأفغان ومجموعات بن لادن ضد الاتحاد السوفييتي فانتهت بالطالبان والقاعدة وأحداث الحادي عشر من سبتمبر، كما أنها أعاقت، في أوج دعوتها الديمقراطية في الشرق الأوسط في زمن الرئيس بوش، حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية المنتخبة برئاسة حماس فانتهى الأمر بسيطرة حماس على غزة. لائحة قصر النظر الأميركية طويلة، رغم أننا نستطيع أن نستثني منها حرب تحرير الكويت وبضعة مواقف صلبة ذات طابع مؤقت ضد الاستيطان الإسرائيلي أو لصالح حقوق الإنسان في العالم الإسلامي.

لقد أصبح العالم الذي تعيشه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط عالماً سريالياً مليئاً بالتناقضات والحروب والخسائر المالية والبشرية والسياسية.

أصبح السؤال: إلى أين تسير الدولة الكبرى الأولى في العالم؟ هل تسير في ذات الطريق الذي سارت به من قبلها دول كبرى، وذلك من خلال تبديد مواردها في حروب واحتلالات؟

الدولة الكبرى في العالم تتعامل مع السياسة في الشرق الأوسط انطلاقاً من هموم وحسابات إسرائيلية أولاً وذلك لأنها نتاج تأثيرات محلية وانتخابية. لكنها لا تتعامل مع بقية العالم كما هو الأمر في الشرق الأوسط. لقد أضاعت الولايات المتحدة العلاقة العربية الأميركية في حمى الحسابات الضيقة وانتهى بنا الأمر إلى صدام أكبر كما هو حاصل في السنوات القليلة الماضية. على الولايات المتحدة أن تتحرر من هذا الضغط الداخلي أولاً وذلك لكي تنجح في تحقيق تقدم في الشرق الأوسط. بدون صحوة حقيقية وتحرر من سيطرة أقلية صغيرة على مجرى السياسة الخارجية تجاه الشرق الأوسط لن يتغير شيء، بل ستزداد الأمور سوءاً وسريالية وعنفاً.

الأميركيون في هذه الأيام بالتحديد أكثر استعداداً للاستماع. ففي سلسلة محاضرات لي في مدن أميركية مختلفة على فترات مختلفة في الشهور القليلة الماضية حول أوضاع الشرق الأوسط والمسألة الفلسطينية بدأت أرى عالماً أكثر تساؤلاً عن العلاقة مع العالم الإسلامي والعربي. فوجئت على سبيل المثال في مدينتي دينفير وبولدر في ولاية كولورادو بالأعداد الضخمة المكونة من مئات الحاضرين التي جاءت للاستماع عن «العالم العربي على مفترق الطرق». التعطش الأميركي للتساؤل يعكس الفراغ الذي يعيشه الشعب الأميركي بعد حربي العراق وأفغانستان.

فبعد الحادي عشر من سبتمبر ساد الأميركيون سؤال أساسي عن العرب: «لماذا يكرهوننا»، لكن السؤال بدأ يتراجع الآن أمام سيل من الأسئلة منها «هل قامت السياسة الأميركية بشيء يساهم في هذه الكراهية؟».

التيار العام في الولايات المتحدة لم يصل بعد للسؤال الأساسي عن دور إسرائيل في العنف بين الشرق والغرب. ولكن عندما تعلن أمام جمهور أميركي: «لا حل عسكري في العراق لا حل عسكري في أفغانستان لا حل عسكري للصراع العربي الإسرائيلي ولا حل عسكري للازمة مع إيران، بل إن الحل الوحيد هو الحل العادل الذي ينطلق من حقوق الإنسان والمساواة بين الشعوب وحق تقرير المصير»، تشعر بمدى تجاوب الأميركيين مع منطق ناقد لسياساتهم الخارجية تجاه الشرق الأوسط.

وفي إحدى الندوات أكدت متحدثة: «منذ خمس سنوات كنت من أشد المؤيدين لإسرائيل، لكن الأمر اختلف الآن». سألتها: «ما الذي تغير؟» فقالت: «الحرب في العراق وفي أفغانستان وجنوب لبنان وحرب غزة جعلتني أتساءل عن صحة تدخلنا ودقة موقفنا، لقد انتخبت الرئيس بوش في السابق والآن أوباما باحثة عن التغيير. لم أكن أعرف في السابق أن إسرائيل تضطهد شعباً آخر، كنت أعتقد أن هذه الأقوال دعاية عربية معادية لليهود وللسامية، والآن اكتشف أن الأمر ليس كذلك، وأن إسرائيل تضطهد شعباً آخر».

كان الأميركيون على الصعيد الرسمي كما والشعبي في زمن الحرب الباردة مقتنعين بأن إسرائيل تقوم بدور أساسي في مواجهة الاتحاد السوفيتي. وفي هذا القول بعض من الصحة، لكن الأمر اختلف الآن، فالولايات المتحدة تقاتل في كل مكان في الشرق الأوسط نيابة عن إسرائيل بأكثر مما هو نيابة عن الولايات المتحدة ومصالحها. وقد تنجر الولايات المتحدة لمواجهة مع إيران أيضاً نيابة عن إسرائيل، وهذا سيؤدي لكوارث في العلاقة بين العالمين الإسلامي والغربي.

التغيرات الأميركية عديدة، فهناك نمو في الجمعيات الأميركية واليهودية (منها J street اليهودية) التي تعي خطورة استمرار الاحتلال في فلسطين والتي تعي خطورة ابتلاع القدس. في ندوة علنية حاشدة وقفت مواطنة إسرائيلية من مؤيدي حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني تشرح كم تعاني من الملاحقة في إسرائيل لأنها تقول برأي آخر. هناك بداية وعي بأن مصلحة الولايات المتحدة لم تعد تتطابق مع مصلحة إسرائيل، وأن مصلحة إسرائيل الرسمية لم تعد تتطابق وعقلية الاستيطان ومصادرة القدس.

إسرائيل مكونة اليوم، في ظل حكومة نتنياهو، من مجموعة من المتعصبين المغامرين الساعين لجر دولة كبرى إلى نهاية عالمها. إذ يمثل رئيس الوزراء الإسرائيلي نمطاً من الإسرائيليين ممن يسعون لاستيطان مزيد من الأرض لأنهم يشعرون بأن إسرائيل تقف على مساحات ضيقة وأراضي قليلة. ولا يختلف رئيس الوزراء نتنياهو عن غيره من الإسرائيليين الذين مازالوا ينطلقون من مبدأ التوسع على حساب العرب. ليس هذا بالأمر الجديد، إذ يمثل رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو استمراراً للعقيدة الصهيونية التي تؤمن بأن مشروعها مشروع اقتحام واستيطان.

إن نتنياهو لا يرى فارقاً بين الأراضي التي تم الاستيلاء عليها بالقوة العام وتلك التي تم الاستيلاء عليها بالقوة العام ، وهو لا يرى أيضاً فارقاً بين القدس الشرقية التي احتلت العام والقدس الغربية التي احتلت العام . فهذه العقلية هي أساس الفكرة الصهيونية منذ بداياتها ومنذ نشوء دولة إسرائيل في قلب فلسطين وعلى حساب الفلسطينيين سكان البلاد الأصليين. فالذي يبرر أخذ الأرض العام حيث لم يمتلك اليهود منها أكثر من يبرر اليوم قضم ما تبقى من فلسطين والقدس والجولان.

وبينما يزداد الصراع حدة على أرض فلسطين، تزداد حكومة نتنياهو انحداراً نحو اليمين. إن المغالاة ستكون صفة ملازمة للسياسة الإسرائيلية في المرحلة القادمة. لكن هذا لا يعني أن كل الإسرائيليين يرون الواقع من خلال هذا المنظار، هناك قوى أخرى في إسرائيل ترى حدود مشروعها الصهيوني، لكن نمو هذه القوى ودورها معطل حتى الآن في ظل هيمنة اليمين واستفحاله.

إن تغير العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم العربي والإسلامي يتطلب تغير قواعد اللعبة الأميركية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي في ظل سعي أميركي للتحرر من الانحياز لإسرائيل.

إن جوهر التغير يبدأ في فلسطين، فهي النقطة المركزية التي سببت الانقطاع الثقافي والمعنوي بين العالمين وهي التي وضعت الولايات المتحدة في كفة والعالم العربي والإسلامي في كفة أخرى، وهي المسئولة عن سيطرة الدكتاتورية في العالم العربي.

إن انسحاب الولايات المتحدة من حالة الصدام مع العالم العربي والإسلامي لن يكون ممكناً بلا حل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً وانسحاب إسرائيل والمستوطنين، وتأمين حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين، وقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس. كما ويجب أن يتضمن الحل انسحاباً من الجولان السورية وتسوية مشرفة مع إيران وبقية العالم العربي.

إن حلاً كهذا لن يكون ممكناً بلا تحرر أميركي من سطوة الانحياز والضغط الانتخابي الداخلي الذي يرهق الولايات المتحدة ويزيد من جراحها ويحملها ما لا طاقة لها به. إن إسرائيل بوضعها الراهن عبء كبير على السياسة الأميركية وعلى الأمن العالمي

العدد 2836 - الجمعة 11 يونيو 2010م الموافق 28 جمادى الآخرة 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً