صدر مؤخرا في بيروت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر كتاب يتناول سيرة المناضل البحريني أحمد الشملان بعنوان «أحمد الشملان - سيرة مناضل وتاريخ وطن» من تأليف زوجة المناضل الشملان فوزية مطر. صدر الكتاب في 1024 صفحة من القطع الكبير، ويضم أحد عشر فصلا متبوعة بملحقي صور ووثائق.
بدخول العام 1995، اشتدت الأزمة السياسية داخل البحرين وتطورت الأحداث لتبدأ دائرة العنف والعنف المضاد، وأقدمت السلطة الرسمية على اعتقال القيادات الدينية للطائفة الشيعية محاولة التأكيد على أن العريضة الشعبية والحراك الجماهيري المطالب بالديمقراطية هو تحرك طائفي يقتصر على الطائفة الشيعية وليس حراكا وطنيا يطرح مطالب وطنية عامة. في تلك الظروف اتجهت مقالات أحمد الشملان وجهة أخرى غير وجهة التركيز على التبشير بالديمقراطية وطرح مطالبها بقدر ما غدت محاولة لتحليل وتفسير الحدث والتعبير عن الخشية على مصير الوطن والبحث عن مخارج توقف النزيف.
مع بزوغ فجر العام الجديد 1995 بتاريخ 1 يناير/ كانون الثاني 1995 بعث الشملان إلى الصحف المحلية والخليجية التي يكتب بها بمقال استكمالي لمقال «حساسية هذه المرحلة» يحمل العنوان «الممكن في هذه المرحلة»، ولم يتم نشر المقال الذي جاء فيه: «هناك حقيقة يشترك في الاعتراف بها كافة مواطني دول مجلس التعاون الخليجي هي ابتعاد القيادات عن القواعد الشعبية في صنع القرارات رغم أن المسئولية ستكون مشتركة في تطبيق هذه القرارات... كان هاجسنا الأساس هو التعويل على حكمة القيادات السياسية في التريث لدرس معلومات مفبركة مضللة كان الهدف منها هو إيقاع البلبلة والاضطراب وتعميق هوة الخلاف في داخل الوطن، والإيحاء باستحالة التفاهم بين أطراف الجبهة الداخلية لإجراء الإصلاحات السياسية الضرورية والمطلوبة بإلحاح في هذه المرحلة الحساسة... مشكلة المشاكل في أي حوار سياسي هو أن ينقطع انقطاعا مطلقا عندما تتوسطه اتهامات خطيرة «بالعمالة» أو «بالانفراد» المطلق في صنع القرار والاستحواذ على كل شيء دون تقديم أي شيء بالمقابل... تبدو آفاق تطور العلاقات الداخلية نحو الأفضل مرهونة بإحداث التناسق بين أطراف الجبهة الداخلية من المواطنين والنظام السياسي... ويكتسب النظام السياسي صفته من حجم مساحة الحرية التي يتركها بين أطرافه السياسية، فكلما اتسعت مساحة المشاركة الشعبية وحرية الرأي كلما اكتسب النظام السياسي صفة الديمقراطية، وكلما ضاقت هذه المساحة اكتسب النظام السياسي الصفة القمعية المناهضة للديمقراطية».
واستحوذت مقالات أحمد الشملان بما تميزت به من شجاعة في الطرح على اهتمام ومتابعة الناس على مستوى الداخل البحريني. يقول محمد نصر الله: «كانت كتابات أحمد في الصحافة المحلية والخليجية تشد اهتمامنا جميعا، كنا نناقشها وحازت تجاوبا كبيرا وانتشرت مقالاته على مستوى كل البحرين، كان الناس يتداولونها في المساجد والمآتم، كان هناك جو جماهيري يحيط بأحمد الشملان».
ضاقت الجهة الرسمية في البحرين من كتابات الشملان وقررت أن تسكت قلمه وخاصة وأحداث التسعينيات في ذروة تصاعدها، ففي مطلع يناير 1995 أُوقف أحمد عن الكتابة في جريدة «أخبار الخليج»، بل عن الكتابة في الصحافة المحلية عموما. يقول أحمد: «منذ ذلك الحين غابت كتاباتي عن الصحف الداخلية ولقيت انتشارا في الصحف الخليجية، أما أسباب المنع في رأيي فواضحة وهي منع وصول ما أكتبه للقارئ البحريني». قال أحد الأصدقاء: «حينما تصاعدت الأحداث وكان أحمد الشملان ممنوعا من الكتابة في البحرين صاروا يوزعون كتاباته المنشورة في صحف الخليج كمنشور، أصبحت مقالات الشملان تنسخ وتوزع كمنشور سياسي».
بعد منعه من الكتابة في صحف وطنه نشر الشملان مقالا بعنوان «هل هناك حقوق؟» تعرض فيه لحرية الرأي كأحد أهم الحقوق الإنسانية عاكسا معاناته من تبعات تعبيره الحر عن رأيه، يقول: «هل بإمكان المثقف العربي أن يكون صادقا مع الآخرين ومع نفسه دون أن يدفع ثمنا لصدقه هذا؟؟... حقوق الإنسان في مجال التعبير والإبداع تبدو مسكوتا عنها، ولا تقترب منها القوانين رغم أن دساتير الدول عامة تنص على حق المواطن في حرية التعبير والرأي، فكيف يمكن حل هذه الإشكالية المعقدة؟ هذه الإشكالية هي سبب ازدواجية العلاقة بين المثقف العربي ومجتمعه، إنه يسير مكشوف الظهر دون حماية أو ضمانة لحقه في التعبير الحر».
وفي مقال بعنوان «هل للصحافة سلطة؟» يقول: «الصحافة كمنبر حر مستقل مستهدف ومطلوب احتواؤه، إما بصورة مباشرة وقانونية وإما بصورة غير مباشرة وضمنية عن طريق شراء ذمته وتسخيره لذوي النفوذ والسلطان! الصحافة هي رئة المجتمع التي يتنفس منها هواء التعبير عن ذاته، وعندما توضع الشروط على التمتع بهذا الحق، فإن معنى ذلك أن تكتم أنفاس قطاعات عديدة في المجتمع لهذا السبب أو ذاك».
واصل الشملان نشر مقالاته في الصحافة الخليجية، فنشر مقالا بعنوان «إشكالية الدولة والمجتمع» دحض فيه التنظيرات التي راجت حينها والتي كانت تروّج لعدم أهلية المجتمعات العربية للديمقراطية. يقول: «تلك التنظيرات وصلت إلى حد الإفتاء بحرمان تلك المجتمعات من الحقوق السياسية واعتبارها غير جديرة بالديمقراطية أو في أحسن الأحوال لم تنضج للديمقراطية! والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو من الذي لم ينضج للديمقراطية؟ هل هي الشعوب نفسها أم من يسيطر على الدولة وأجهزتها ويعتبر نفسه هو المرجع الذي يقرر درجة الوعي وحجم الحقوق التي يستحقها شعبه؟؟»
ومع تفاقم الأحداث في البحرين ولجوء السلطة إلى وسطاء محليين للمساهمة في التهدئة وشعور أحمد الشملان بالخطر المحدق بالوطن كتب مقالا بعنوان «هل نخرج من هذا القلق» قال فيه: «في هذه الظروف الدقيقة والحرجة التي تمر بها البحرين وشعبها ترتفع كافة الأصوات مطالبة بإطفاء الحريق... وإذا كانت قطاعات المجتمع البحريني شعبا وحكومة تقول بتهدئة الأمور أولا وهي محقة في طلبها ذلك، فالسؤال الأول هو من هو المُطالب بتهدئة الأمور؟ ومن الذي يطالب بتهدئة الأمور؟... في أي دولة في العالم لا يوجد ولا يمكن أن يوجد وسيط بين حكومة وشعبها ولا يمكن أن يتحدث أحد عن معسكر اسمه الحكومة ومعسكر اسمه الشعب... من هنا فانتظار الحكومة أن تهدأ الأوضاع بناء على مساع شخصية من بعض الشخصيات المحلية يثير عدة تساؤلات لعل أولها هو كيف تقبل حكومة بوساطة مع شعبها...»
وفي غمرة أحداث الساحة البحرينية التي كانت تتفاقم خلال شهر أبريل/ نيسان 1995، وزعت في البحرين أوراق مشبوهة تحمل أنفاسا طائفية تهدف لتعميق الفرقة بين أبناء الوطن الواحد وتحمل عناوين طائفية من قبيل «كتائب الحسين» و»كتائب عمر» و»أتباع الصحابة». وبعث الشملان في 6 أبريل 1995 بمقال عنوانه «قلت قلبي على وطني» لم يتم نشره تحدث فيه عن الدور المشبوه لتلك الأوراق في شق الصف الوطني والوحدة الوطنية وركز على وجود تدخلات خارجية لا تريد للحوار بين الحكومة والشعب أن يجري خشية امتداد تأثيراته إلى خارج البلاد.
وفي مقال نشر له بعنوان «تأييدا للحوار» أعاد طرح الأفكار الواردة في المقال الذي لم ينشر، كتب يقول: «من أشد الأخطار التي تهدد منطقة الخليج برمتها - وليس بلدا واحدا فقط - هو خطر بعث الطائفية وإحيائها... ونحن - أهل هذا الوطن المعنيين بأنفسهم قبل غيرهم - انتصرنا على الطائفية منذ زمن بعيد ربما هو زمن ميلاد هذا الوطن وتشابكت علاقاتنا العائلية ومصالحنا إلى الحد الذي يستحيل فيه التفريق بينها تحت أي ظرف من الظروف، حتى بيوت العبادة التي نجلها ونقدسها نعتبرها مساجد الجميع دون أي فرق بين مذهب ومذهب أو فرقة وفرقة. لذلك تبدو محاولات بذر الطائفية مفضوحة ومدانة وتأتي من خارج هذا الوطن وخارج أبنائه. والدساسون الأغبياء الذين يقومون بها، إنما يفضحون أنفسهم ويكشفونها ويدللون على أنهم جاءوا من خارج هذا المجتمع المتوحد المتكاتف».
في 20 ابريل 1995 بعث الشملان مقالا للصحف الخليجية عنوانه «تفكير في هذه الظاهرة» لم يتم نشره قال فيه: «ما لا يمكن القبول به ولا استساغة ما يُردد حوله أن تكون قضايانا الداخلية التي تمس حياتنا مسا مباشرا وتؤثر علينا بشكل يومي مباحة لمن في الخارج يتحدث عنها ومحرمة علينا، بل ومحجور الحديث فيها ما لم يكن هذا الحديث يسير في اتجاه محدد بعينه. والأدهى والأمرّ أن يتحدث العديد عن الحوار ودور المثقفين المفقود في هذا الحوار، ثم لا يفسح المجال لما يسمى بالحوار أو الكتابة إلا إذا كانت هذه الكتابة تسير في اتجاه واحد محدد بعينه...»
خلال شهر أبريل من العام ذاته نشر الكاتب الصحافي البحريني حافظ الشيخ مقالا في جريدة «القدس العربي» التي تصدر في لندن بعنوان «البحرين: شيء من مصارحة غير معهودة» أورد فيه رؤيته حول الأحداث الجارية في البحرين حينها في ثماني ملاحظات قال إنها تتناول التكوين الشيعي لحركة الاحتجاج الجارية. وكتب أحمد الشملان ردا على مقال الكاتب حافظ الشيخ في مقال أرسله للنشر في الجريدة ذاتها ونشرته «القدس العربي» تحت عنوان «البحرين: هل هي معارضة أم ممازحة؟»، أكد الشملان في رده على وطنية المطالب الشعبية المطروحة وبعدها عن الطائفية أو اقتصارها على طائفة دون أخرى، وفنّد ما ورد في مقال الكاتب حافظ الشيخ، وخلص إلى نتيجة مفادها: الأمانة التاريخية تقتضي وضع الأمور في نصابها الصحيح وتسمية الأشياء بأسمائها، والصحيح هو أن شعب البحرين واحد بتاريخ واحد ولم تفرقه ولن تفرقه الطائفية مهما كانت مسمياتها».
نال المقال صدى كبيرا واهتماما على الصعيدين المحلي والخارجي وتم تداوله بشكل واسع جدا. وعلى إثر نشر المقال تم استدعاء الشملان من قبل جهاز الأمن البحريني وسحب جواز سفره في 4 مايو/ أيار 1995، ولاحقا أدرج المقال ضمن لائحة الاتهام التي وجهت للشملان حينما قُدم لمحكمة أمن الدولة بعد اعتقاله في 7 فبراير/ شباط 1996.
على خلفية التحقيق معه ومصادرة جواز سفره واصل الشملان اعتراضه على مصادرة الرأي المختلف ومعاقبة متخذيه فنشر مقالا بعنوان «مصير الاختلاف»، قال فيه: «التجربة العربية في قبول الرأي المختلف عن الرأي السائد أو عن رأي أصحاب القرار في أية مؤسسة أو هيئة أو منظمة هي تجربة سلبية إلى حد كبير. وتزداد السلبية كلما كان الاختلاف مع هيئة حكومية بالذات وجهة عليا في الدولة، فالاختلاف مع تلك الجهات له نتائج وخيمة تتفاوت بين مجرد عدم الرضا والتأنيب وبين التصفية الجسدية دون محاكمة أو حتى مجرد استجواب. وبين هذين الطرفين النقيضين يمكن التعرف على مجموعة من طرق الانتقام لمن يختلف في الرأي مع أصحاب القرار وهي تتفاوت أيضا من التهديد إلى الفصل من العمل ومن ثم مطاردة المختلف معه في لقمة عيشه وحرمانه من كسب لقمة عيشه حتى يتخلى عن آرائه أو يعلن التوبة، وهي طرق في الانتقام ومصادرة الرأي الآخر تخضع إلى الحالة العامة في البلاد ومزاج سادة القرار»، كان الشملان بتلك المقالات يعكس الحالة التي يعانيها من منعه من الكتابة واستدعائه للتحقيق وملاحقته في الرزق ومصادرة جواز سفره ومنعه من السفر.
في الوقت ذاته أبدى أحمد الشملان ضيقه واستياءه من كتابات المثقفين العرب التي يبتعدون فيها عن الهموم الحقيقية للوطن والمواطن، كتب مقالا بعنوان «لا يكفي للمثقف ذلك!» قال فيه: «في كتابات المثقفين العرب السياسية منها والثقافية يبدو الإغراق في العموميات ذات الارتباط بالواقع العربي وبهزائمه المعلنة وغير المعلنة والتهويم عبر تلك العموميات في نقد الذات ونقد الآخر والمماحكة في قضايا العلمانية والدينية والتراث والأصالة والحداثة... وباختصار الهروب الفاضح عن مواجهة الوقائع العربية وتجنب البحث في مشكلات المواطن العربي كمواطن له كامل الحقوق... هناك خوف مغلف بذكاء منافق يتجنب من خلاله المثقف الاقتراب من الخطوط الحمراء المحرمة في العوالم العربية، هناك ميل واضح للاعتكاف أمام كتابات المفكرين والفلاسفة وإعادة صياغتها بالطريقة العربية وحذر مبالغ فيه عن المرور أمام أسباب المآزق الراهنة الجذرية واليومية في آن».
وبتاريخ 5 يونيو/ حزيران 1995 دفع للنشر بمقال عنوانه «إنه الوطن فحسب» لم يتم نشره عبر فيه عن حبه لوطنه وعرّى فئة المتمصلحين من الوطن دون الاستعداد لتقديم شيء لوطنهم، استهل المقال بقوله: «يرى البعض حب الوطن والتعلق به وبترابه «موضة قديمة» تدل على «التخلف»، إذ إن عالم «البزنس» والمصلحة أعاد صياغة المفاهيم والعواطف والمشاعر حتى أصبح الوطن هو المكان الذي لك فيه مصلحة ومنفعة!! وهذا المفهوم النفعي هو موضة العصر الجديد».
وكتب مقالا بعنوان «كيف نفهم المعارضة» تطرق فيه للمفهوم المغلوط للمعارضة جاء فيه: «في الحياة السياسية العربية جرى العرف على أن المعارضة تعني السعي إلى قلب نظام الحكم. وطالما السلطة السياسية في مفاهيمنا العربية تعني نظام الحكم نفسه وتغيير أي رمز سياسي في السلطة أو انتقاده يعني المساس بنظام الحكم، فإن المعارضة بالضرورة هي معادية وتسعى إلى مصالحها الخاصة ولا علاقة لها بأي إصلاح سياسي».
عشية انعقاد مؤتمر القمة الخليجية ديسمبر/ كانون الأول 1995 نشر له مقال بعنوان «ما نتمناه من قمة مسقط» ورد فيه: «عندما تتجه رغبة شعب من شعوب دول التعاون لتطبيق دستور بلاده وكما هو دون أي تغيير أو حذف، فليس معنى هذا أن قوة أجنبية تدخلت ووضعت هذه الرغبة وحركت هذا الشعب أو ذاك، بل معناها بكل بساطة أن المرحلة التي وصل إليها شعب المنطقة وهو بهذا المستوى من الوعي والنضج تتطلب المشاركة الشعبية الواسعة».
العدد 2736 - الأربعاء 03 مارس 2010م الموافق 17 ربيع الاول 1431هـ