العدد 349 - الأربعاء 20 أغسطس 2003م الموافق 21 جمادى الآخرة 1424هـ

«فخاخ الرائحة»... ولعبة تبادل الكراسي

جديد السعودي يوسف المحيميد

إن كانت الرائحة استطاعت أن توقع شخصيات الرواية في فخ قدرها المشئوم فإن الكاتب يوسف المحيميد لم يستطع تفادي السقوط في فخ الخلل الروائي. فالرواية على رغم فكرتها الجيدة تفتقد الحبكة الروائية والمتانة في غالبية الفصول لتبدو كمجموعة قصصية أكثر منها رواية.

تقوم الرواية على لعبة تبادل الكراسي بين الحواس الثلاث (الأذن، الأنف، والعين) عبر ثلاث شخصيات (طراد، توفيق، وناصر).

يتمحور الحدث الروائي حول شخصية «طراد» الذي كان قاطع طريق قبل أن يقطع الذئب أذنه اليسرى. وبعد أن ضاقت الطرق بقدميه الشقيتين ولفظته الصحراء ونبذته القبيلة جاء إلى الرياض؛ ليعمل مراسلا في إحدى الوزارات، وكان مصدرا للسخرية والتهكم من الموظفين بسبب أذنه المقطوعة والتي يخفيها دائما بطرف شماغه.

هذه الأذن «المقطوفة» كما تقطف الثمرة كانت هاجسا يكبر في عقل «طراد» ويبالغ في تضخيمه ليصل به إلى عجز عن مواجهة البشر، ويتمنى لو يرحل إلى جهنم حتى لا يكتشف أحد أذنه المبتورة، بل يصل به الأمر إلى أن يحسد معلم الشاورما التركي على أذنه الجميلة في مقطع من أقوى وأجمل ما ورد في الرواية إذ يصور الكاتب إحساس «طراد» وهو يتابع أذن البائع التركي ص 19 «كان المعلم التركي يتمايل مزهوا بأذنه الجميلة وهو يقطع شرائح الدجاج الناضجة من كتلة لحم الدجاج المخروطية الضخمة، كانت أذنه المواجهة تضيء مع كل اهتزازة بفعل مصباح الهالوجين القوي. لم يكف التركي عن الغناء الحزين بلغة لا يفهمها طراد الذي أمعن في تأمل هذه الأذن اليسرى الفاتنة، وهو يتساءل عن سر هذا الغناء الحزين، هل يمكن لمن لديه مثل هذه الأذن الكاملة والرائعة أن يحزن؟ لماذا؟ ألا يكفيه أن يمشي مرفوعا ومحسور الرأس، دون الحاجة لان يخفي وجهه بشماغ أو غترة أو كوفية؟ ولا أحد يجرؤ أن يتهمه أو يسخر منه، من الذي يعاني من أذن مقطوعة في العالم سواي؟».

الأذن المقطوعة التي قضى عليها الذئب كانت نتيجة خطأ أو فخ نصبته الرائحة له ولصديقه «نهار»، رائحة الإبل وهي تتهادى في الصحراء ليهجما على القافلة ويسرقا الغنائم لكن لم يتناه إلى مسمعيهما صوت غناء حرس القافلة فقد دخلا في إغفاءة وخانته حواسه - للمرة الأولى - ليقع هو وصديقه في قبضة الحراس ليحكم عليهما أمير القافلة بدفنهما في الرمل حتى رقبتهما، لتجذب رائحتهما الذئب وتكون نهاية نهار بين أنيابه مكتفيا بقطف أذن طراد اليسرى «كانت الدمعة في لحظة حاسمة وخطيرة وهائلة تسقط. تنفلت من عينه، سائرة ببطء وهي توازي أنفه، متهادية على خده الجاف، ثم متدافعة على طرف شاربه، لتهوي في لحظة خاطفة على وجه الذئب الذي فرّ على عجل ولوح بأسنانه المشهرة كسيوف لامعة، قاطفا بها أذن طراد اليسرى من جذرها وهو يلوك صوانها بين أسنانه، ناهضا ومبتعدا بضع خطوات».

الشخصية الثانية العم «توفيق» الذي كان «حسن» سابقا القادم من السودان على متن سفينة حجاج فقد فيها رجولته وصار عبدا «تخيل يا طراد خدعوني هناك بشحمة مشوية حتى وقعت في فخ الجلابة، وهنا خدعوني بكرة قطن صغيرة غرزوها في انفي فغبت عن الوعي، في المرة الأولى بعت إنسانيتي برائحة شحمة وصرت عبدا، وفي الثانية بعت رجولتي وصرت خصيّا!! قاتل الله الرائحة كلها، لو لم املك أنفا يا طراد، لو أنني فقدت انفي مثلما فقدت أنت أذنك اليسرى».

توفيق كان يلعن انفه الذي أوقعه في فخ الجلابة ومن ثم في العبودية وفقدان الرجولة، على عكس طراد الذي يتمنى أن تقطع ألف لام التعريف من اسمه بل أن يقطع اسم القبيلة كله، ويرمى في جهنم وألا يكون مقطوع الأذن والذي لأجلها كره الرياض وأهلها، وقرر أن يرحل إلى جهنم «عرعر أكيد أنها لا تختلف عن جهنم كثيرا».

الشخصية الثالثة في الرواية «ناصر» الذي يظهر من خلال ملف أخضر نسيه ناصر، ووصل إلى طراد عن طريق الخطأ «وهمّ بالانصراف لولا أن دعاه الرجل العجوز، فاستدار نحوه، ليلوح له العجوز بملف اخضر، لم ينتبه له لحظة جلوسه قبل قليل: نسيت ملفك!! تناوله طراد مداريا اضطرابا تأرجح بين عينيه الجاحظتين قليلا، دون أن يحرج العجوز بان ينفي علاقته بالملف، أخذه بامتنان».

الملف يحتوي على مذكرات أحد اللقطاء وهو ناصر الذي يحمل تشوها في العين اليمنى ناتج عن خلعها «الفرق بيننا يا ناصر اللقيط الملقوط، انك فقدت عينك بسبب الأذن، وأنا فقدت أذني بسبب عيني، عيني التي دمعت في ليل صحراوي ساكن، فطارت أذني على اثر تلك الدمعة».

هذا التداخل بين الحواس وفقد إحداها نتيجة انخداع آخر، فناصر لم تكن لتقتلع القطط الجائعة عينه اليمنى لولا الرائحة، رائحة العطر النسائي الحادة التي أدارت رأس والده وغررت بأمه في شارع فرعي مظلم ليكون هو لقيط الرائحة، ويُرمى في كرتون موز ليكون فريسة قطط الشوارع... هؤلاء الثلاثة معطوبو الحواس بسبب الرائحة.

هل الرائحة الذكية النبيلة الفاتنة ذات الخيوط المتشابكة الدائرية الشبيهة بخيوط العناكب هي التي أوقعت هؤلاء كما الذباب؟! هل الدروب هي التي قادتهم ليقعوا في فخاخ القدر؟! أم إن القدر هو الذي قادهم ليقعوا في فخاخ الرائحة؟! أسئلة تبقى مفتوحة ومعلقة في نهاية الرواية، لكن يبقى عليك وأنت تقرأها أن تتحسس بين فترة وأخرى أذنك اليسرى لتتأكد أنها لم تقطف منك!

يوسف المحيميد. فخاخ الرائحة. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،2003





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً