العدد 2563 - الجمعة 11 سبتمبر 2009م الموافق 21 رمضان 1430هـ

مرقد الإمام علي وقاعدة الحوزات الدينية ومدينة المراجع العظام

جولة في مدينة النجف الأشرف:

مدينة هي إبنة التاريخ القديم، كل شيء فيها يذكرك بالعصر الإسلامي الأول، من طرقاتها الضيقة وبيوتها الطينية إلى أسواقها البسيطة ومدارسها وحوزاتها وفضاءاتها. كل شيء هنا تفوح منه رائحة التاريخ القديم.

وأنت تخرج من مطارها الصغير الذي افتتح قبل بضعة أشهر، تشعر بأنها تستحق أكثر من ذلك بكثير. وأنت تسير في شوارعها يزداد هذا الشعور قوة، وعندما تصل إلى الحرم العَلَوي لا تملك إلا أن تصارح مرافقك العراقي: ألا تستحق هذه المدينة أوضاعا أفضل؟ فهذا التاريخ العلمي الكبير الذي تحمله فوق أكتافها، لخدمة الدين والثقافة الإسلامية واللغة العربية، وما خرّجت من طوابير طويلة من علماء وشعراء وأدباء ومفكرين وزهاد وقادة رأي ورجال ثورة... كل ذلك يؤهلها لأن تحتفلوا بها عروسا منذ أمد بعيد. فالزائر لها ومن النظرة الأولى سيشعر بأنها مدينةٌ أصابها الكثير من ضيم الزمان.


النشأة والتاريخ

كانت المنطقة متنزها لملوك الحيرة لطبيعتها الجميلة ومناخها المعتدل، وكانت تكثر فيها الأديرة المسيحية، أما في هذا الزمان، فلأنها واقعةٌ على حافة الصحراء، فإنها كثيرا ما تتعرّض إلى موجاتٍ من الأتربة والغبار الطيني الأحمر.

تاريخيا نشأت النجف حول مرقد الإمام علي (ع)، الذي ظلّ مجهولا لدى غالبية المسلمين، فقد أوصى عند وفاته بأن يُدفن ليلا خفية، في هذه البقعة حفظا لحرمة القبر من أن ينبشه الأمويون أو الخوارج ثأرا لقتلاهم. وتبعد النجف عن عاصمته (الكوفة) عشرة كيلومترات، وظل أئمة أهل البيت النبوي الشريف يزورونه سرا، وبحسب روايات هؤلاء الأئمة أن في بقعة النجف قبري آدم ونوح، وعلى بعد كيلومتر واحد يوجد قبرا هود وصالح، عليهم جميعا السلام. ولم يتم إظهار القبر إلا في مطلع العصر العباسي، بعد أن زال الحكم الأموي، وبنى عليه هارون الرشيد قبة بيضاء، ومع نهاية القرن الهجري الأول أخذ الناس يسكنونها فورثت النجف مكانة الكوفة. وقام البويهيون في القرن الثالث ببناء عمارة كبيرة على القبر، وشيّدوا حول المدينة الناشئة أول سور كبير.


عاصمة للثقافة

هذه الأيام... تستعد النجف الأشرف مبكرا للاحتفال بها عاصمة للثقافة الإسلامية في العام 2012، وهي حتى الآن تنتظر إقرار رصد المخصصات المالية من الحكومة المركزية في بغداد للانطلاق في هذا المشروع وأمثاله؛ ما سيساعد في الارتقاء بالبنية التحتية في هذه المدينة الطينية الحمراء. ويقولون إننا نعمل ما يمكن، حسب ما هو متاحٌ من إمكانات وموارد، فالتركة ثقيلة، والخراب الذي خلفه النظام الدكتاتوري البائد ثقيل. فهو الذي سعى بكل جهده لضرب الحوزات الدينية وتصفية رموزها، وملاحقة طلبة وعلماء الدين تحت كل حجر ومدر.

عندما تقف السيارة في طريق جانبي، تبصر القبة المذهبة من بعيد. أمامها ساحة كبيرة قيل بأنه جرى استملاكها مؤخرا تمهيدا لتوسعة محيط الحرم.


تقاليد المرجعية

بعد أداء واجب الزيارة، قمنا بزيارة المراجع الكبار بمساعدة بعض رجال الدين، ونظرا لضيق الوقت لم يتسنَّ لنا غير زيارة بيت آية الله العظمى السيد السيستاني، والمرجع بشير النجفي، والمرجع اسحاق الفياض، وانتهينا من الزيارة الأخيرة عند الواحدة والنصف، فلم يكن ممكنا إكمال الجولة بزيارة رابع المراجع الكبار محمد سعيد الحكيم.

تشكيلة المرجعية تكشف عن تقليد أصيل، حيث لا يبلغ هذا المستوى العلمي إلا بأعلى درجات الجهاد والاجتهاد، حيث تذوب الفوارق الجنسية والعصبيات، وهي من آخر القلاع الإسلامية التي صمدت للمحافظة على قدسية العلم، فيما انهارت هذه التقاليد في بقاع كثيرة من العالم الإسلامي.

بعد الظهر، تم تناول وجبة الغداء في «مضيف الإمام علي»، حيث توزّع الوجبات المجانية على مئات الزوّار يوميا في مطعم كبير مخصّص للزائرين. بعدها كانت جولة سريعة داخل المدينة وأسواقها التي حافظت على طابعها الشرقي القديم. فهنا يباع كل شيء، من الحلويات العراقية إلى الكتب الدينية والأقمشة والملابس الجاهزة والتحف والهدايا، ومن أهمها الخواتم المزينة بالدر النجفي الشهير.

وأنت تغادر المدينة، تقرأ ما كتبته عنها الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) حرفيا: «المدينة المقدسة العريقة، باب علم النبي (ص) وعاصمة فقهه، وعلوم آل البيت الطاهرين، مثوى وليد الكعبة وشهيد المحراب الإمام أمير المؤمنين، مصدر المرجعية والتقليد، ومهد الحركات العلمية والأدبية، أمّ العلوم والتقوى والشعر والجهاد».


مجمعٌ كاملٌ من التاريخ

الكوفة (170 كم جنوب بغداد) كانت هي الأصل، فقد اتخذها عليٌّ (ع) عاصمة له بعد اضطراره للانتقال إلى العراق لمعالجة حركة التمرد. وكانت مدينة عالمية مفتوحة بسبب الهجرة وحركة انتقال القبائل وأعداد السبي بعد الفتوحات، فزاد سكانها آنذاك عن مليون نسمة. أما اليوم فلا تزيد على 120 ألفا، وتعتبر مدينة صغيرة متواضعة، ضمن محافظة النجف (مليون نسمة)، وتبعد عنها 10 كم.

في هذه البقعة من المدينة، يوجد مجمعٌ متكاملٌ من المعالم والآثار القديمة، من بينها مسجد الكوفة التاريخي الذي يضم بعض مقامات الأنبياء ومراقد الشهداء مسلم بن عقيل وهاني بن عروة والمختار الثقفي، إلى جانب «بيت الإمام علي». والحقيقة التاريخية أنه منزل زوج أخته الصحابية الجليلة أم هانئ، حيث سكنه فترة خلافته بعد أن رفض السكن في قصر الإمارة الذي يقع على بعد خطوات منه، وقال فيه: «قصر الخبال، لا أسكنه أبدا»، ولم يتبقَّ منه غير أطلال وخرائب وأعشاب نافرة، في منظر يثبت أن ما لله باقٍ، وغيره إلى زوال.

العدد 2563 - الجمعة 11 سبتمبر 2009م الموافق 21 رمضان 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً