قد يبدو مفهوم المسئولية الاجتماعية للأعمال مفهوما جديدا قادما من الغرب. لكن المتأمل لنتاج الحضارة العربية يجد الكثير من المبادئ والممارسات التي تثري هذا المفهوم وتضيف إليه، بحيث تتعدى المسئولية قطاع الأعمال لتشمل أفراد المجتمع كافة ضمن مفهوم التكافل والإحسان والتواصل المجتمعي.
هنا بعض المسائل الأساسية التي قد تسلط الضوء على أبعاد جديدة لمفهوم المسئولية المجتمعية من أجل التنمية المستدامة.
بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت مؤسسات دولية، مثل هيئة الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ساهمت في تحويل دور الدولة إلى مقترض يسير ضمن توجهات المؤسسات الدولية ويبتعد تدريجيا عن هم المزارع الصغير، الذي يمثل <>غصن الزيتون>> مقابل «سيارة لكسس» ويصبح رهينة لسياسات الإصلاح الاقتصادي والزراعي والمجتمعي التي لا تعكس روح المجتمع المحلي وثقافته وطموحاته. وهذا أدى الى نمو دور القطاع الخاص على حساب المهمات الجوهرية للدولة. لذا لا بد من إعادة النظر في أدوار كل من الدولة والقطاع الخاص، وكذلك إعادة دور المجتمع المدني، لإعادة التوازن الى عناصر التنمية المستدامة في الدول النامية.
التحول في الأدوار <>من صيَّاد إلى مزارع>> هو الرمز الذي يلعبه قطاع الأعمال. هناك التصور القديم الخاطئ بأن قطاع الأعمال يعنى فقط بتضاعف المنفعة وتعظيمها بغض النظر على العواقب السلبية على الناس والأرض أو على الرأسمال البشري والرأسمال الطبيعي. لكن ثمة تحولا في أخلاقيات الأعمال بعيدا عن العلاقات العامة أو إيجاد تحالفات هشة وضمن مصالح ضيقة مع الحركة البيئية. ومن المفيد أن ندرك أن هناك هوة عميقة في الحركة البيئية بين مؤيدين ومعارضين للتحالف بين الحركة البيئية وقطاع الأعمال. وهذا يلقي تبعة أخلاقية على قطاع الأعمال في تجذير أخلاقيات العمل البيئي ضمن الرؤية المؤسسية، والعمل كعنصر محرك لتغيير نُسق التفكير النمطي حول قطاع الأعمال.
من المؤمل أنه مع تنامي ثقافة المسئولية المجتمعية نكون بصدد تنامي حالة من الذكاء المجتمعي، وكذلك صياغة عقد اجتماعي بين قطاع الأعمال والمجتمع المدني يقوم على أسس من الشفافية والنزاهة واحترام الآخر والأمان والخدمة العامة، وعلى توليد قصص نجاح لتمكين المجتمع المحلي وحفظ حقوقه وبناء أسس التنمية المرتبطة بالإنسان. بذلك تُحترم كرامة الإنسان والمجتمعات المحلية وتصبح جزءا من مشروع التنمية المستدامة في الوطن العربي.
هناك مبادرات عديدة لإعادة النظر في كيفية قياس تقدم المجتمعات بطرق ومنهجيات جديدة غير المؤشرات الاقتصادية مثل معدل الدخل القومي، وإدخال البعد الاجتماعي وصحة الإنسان كمؤشرات جديدة للتحول نحو اقتصاد أخضر في ظل تحدي التغير المناخي. من هنا تبرز أهمية التحالف للتأثير على السياسات وصنّاع القرار، ونشر ثقافة جديدة نحو اقتصاد أخضر يدخل مبدأ المحاسبة الخضراء، واعتماد تقارير الاستدامة كمؤشر لقياس نمو المؤسسة والدولة.
العلاقة بين قطاع الأعمال والمجتمع المدني جدلية ومتغيرة. في تصوري أن المجتمع المدني يمثل صمام الأمان لضبط وقياس نوعية تأثير قطاع الأعمال على خطط وبرامج التنمية المستدامة وعلى حياة الناس. والعلاقة المرجوة والمطلوبة من المجتمع المدني ليست تكريسا لما يسمى <>صناعة المعارضة>> أو المعارضة لمجرد البحث عن دور، بل هي عمل ريادي وأخلاقي لضمان استدامة العقد الاجتماعي بين قطاع الأعمال والمجتمع المدني.
خلاصة القول أن الاقتصاد العالمي يمر في منعطفات حادة تمثل أزمة وفرصة في آن. المشهد العالمي في مجالات الصناعة والبحث العلمي يشهد تقدما في ميادين تطوير الطاقة المتجددة والتحول نحو البناء الأخضر والصناعة الخضراء، ما يبشر بمستقبل واعد وفرص عمل خضراء جديدة. وهذا يتطلب صياغة عقد اجتماعي جديد بين الدولة وقطاع الأعمال والمجتمع المدني.
العدد 2563 - الجمعة 11 سبتمبر 2009م الموافق 21 رمضان 1430هـ