العدد 231 - الخميس 24 أبريل 2003م الموافق 21 صفر 1424هـ

المشروع السياسي الإسلامي أمام التحديات المعاصرة

لندن - نورالدين العويديدي 

24 أبريل 2003

فشلت دولة ما بعد الاستقلال أو ما يمكن تسميتها بدولة «الحداثة» العربية، في تحقيق التقدم والتنمية، كما فشلت في تدعيم الاستقلال والانفكاك من التبعية. وفشلت في تحقيق العدالة والوحدة والديمقراطية، وأقامت بدلا من ذلك أنظمة هشة تابعة وفردية، أو بوليسية عسكرية قمعية، انحصر القرار فيها في دوائر شديدة الضيق، وخاضت فيها الدولة صراعا مريرا مع المجتمع الأهلي ومؤسساته الموروثة، واحتكرت الدولة كل شيء: السياسة والثقافة والاقتصاد والاجتماع، وهو ما ولّد نموذجا تابعا ومشوها في التنمية، تجني معظم الدول العربية ثماره العكسية الآن، خصخصة فجة مفجعة، تكاد تتخلى فيها الدولة عن كل شيء، على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، من دون أن تقدّم ما يقابله من تنازلات على الأصعدة السياسية والثقافية.

لقد فشلت الدولة «العلمانية»، في إقامة علاقة متوازنة مع مواطنيها، وانتهت نخبها إلى نخب معزولة عن نبض شعبها، تقوده بالقوة والغلبة. فقد وجدت هذه الدولة نفسها في صراع «رسالي» مع المجتمع الذي تحكمه، إذ جاءت غالبية النخب الحاكمة إلى الحكم تملأ جوانحها قناعات عريضة بأن المجتمع الذي ستحكمه، يحتاج إلى تغيير جوهري عميق، يطول الشكل والمضمون والمظهر والجوهر، وهو ما جعلها في صراع حاد لا يفتر مع هذا المجتمع، من أجل اقتلاعه من جذوره، وإسباغ هيئة عليه غير الهيئة التي كان عليها، الأمر الذي أدى إلى قيام دولة استبدادية قمعية تبرر لنفسها القمع باعتباره الوسيلة المتاحة لأداء رسالة التحديث والعصرنة، وهي رسالة صعب أداؤها في مجتمع اتسم بـ «الرفض» و«الممانعة» و«الانكماش» و«التقوقع» و«الانغلاق» و«في وجه كل جديد»، بحسب ما تؤكده كتابات كثير من المفكرين الأيديولوجيين لدولة التحديث العربية. وهو ما جعل القائمين على الدولة يشعرون وكأنهم يجرون هذا المجتمع المتخلف إلى جنة الحداثة بالسلاسل.

وقد خلق هذا الفشل المتكرر والمتعدد الوجود، والذي أصبح جزءا أصيلا من بنية دولة «الحداثة» العربية، موجات متتابعة من المعارضة، تعتبر الحركة الإسلامية آخر هذه الموجات زمنيا، وأقواها تحديا لمشروعية دولة التحديث، على صعيد القيم، كما على صعيد الامتداد الشعبي، والفاعلية السياسية. وقد تغذت الحركة الإسلامية كثيرا من فشل حركة العلمنة والتحديث، وأصبح التيار بعد تراجع الفكرة العلمانية، في الفضاء العربي والإسلامي، يمثل التيار الإسلامي الأول على صعيد الساحة السياسية والشعبية. وبدأت الحركة الإسلامية تطرق أبواب الحكم بقوة في أكثر من قطر عربي، وسجلت بعض بشائر هذا التيار في كل من إيران والسودان، غير أن مأزق النخب التحديثية، التي قادت الدولة العربية والإسلامية، وانتهاءها إلى نقيض ما قامت من أجله، أمر لا يستعبد تكراره في تجربة الحركة الإسلامية بسبب جملة من التحديات الواقعية، كما بسبب جملة من النقائص التي لاتزال تعتري فكر وتجربة هذه الحركة، وسننحو في مقالنا هذا منحى تسجيل التحديات وذكر النقائص التي تعتري الحركة الإسلامية للتنبيه عليها من دون التطرق إلى الإيجابيات التي قد تكون موضوع مقال لاحق.

وفي هذا الصدد تواجه الحركة الإسلامية الصعوبات والتحديات الآتية:

- التحدي الدولي وهو تحدٍ واجه تجربة التحديث العربية عموما، والقومية منها خصوصا، وساهم مساهمة فعالة في إفشالها. ولكن الأمر مع الحركة الإسلامية سيتميز بفارق في النوع والدرجة، إذ كانت التجارب السابقة تجري على الأرضية الحضارية والثقافية نفسها للقوى الغربية المسيطرة على المشهد العالمي ولكن ذلك لم يشفع لها.

ولم يمنع الالتقاء الايديولوجي بين قوى التحديث العربية والقوى الغربية المهيمنة من قيام تدخل هائل وعنيف أحيانا كثيرة، وليّن وخفي أحيانا أخرى، من أجل إرباك المشروع ثم إفشاله أو مسخه وتشويهه. وإلقاء نظر فاحصة على ما حصل مع الناصرية، أو حتى مع التجربة المغربية، أو الجزائرية، يمكن أن يكشف لنا هذه الحقيقة بشكل لا لبس فيه. ومع الحركة الإسلامية التي يقف مشروعها على أرضية حضارية وثقافية مغايرة للأرضية الثقافية والحضارية التي يقف عليها المشروع الغربي، فـإن التحدي الخارجي على الأصعدة السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية سيزداد قوة على قوته.

الحركة الإسلامية مطالبة بإيجاد الجواب المناسب حتى لا تسقط هذه الحركة في العفوية والتخبط والسير على غير هدى. من تلك التحديات ما يلي:

- تحدي الديمقراطية والتناوب على السلطة، وهو تحدٍ هائل لا يمكن الاستهانة به. فإذا لم ينجح الإسلاميون في إدارة اختلافاتهم الذاتية واختلافاتهم مع الآخرين، بطريقة تعترف بالمخالف والمغاير، وتقر بحقه في الوجود والعمل، وتشركه في إدارة الشأن العام، فإن مصيرا صعبا يتهدد أكثر من قطر عربي وإسلامي إذا حكم الإسلاميون، والنموذج الأفغاني الماثل أمام أعيننا خير تعبير على ذلك. ومن المؤسف أن نرى بعض الحركات الديمقراطية، أو أن نرى بعضها الآخر وخصوصا تلك الحركات المغلقة ذات التوجهات السلفية المغالية تصر على اعتبار الديمقراطية الكفر البواح عينه.

ولكن لا يمنعنا هذا من ملاحظة تطور مهم تعرفه الساحة الإسلامية في تيارها العريض من وعي بمشكلة السلطة واستيعاب للنقاشات الدائرة حول هذا الموضوع والإسهام فيها. وتلعب كتابات الشيخ يوسف القرضاوي، والشيخ راشد الغنوشي، ومحمد سليم العوا، وأحمد الريسوني، وفهمي هويدي، والمستشار طارق البشري، والشيخ محمد مهدي شمس الدين، ومحمد عمارة، والسيد محمد حسين فضل الله، وآخرين، دورا مهما في دمقرطة الفكر الإسلامي. كما تلعب تجارب مثل التجربة الإيرانية، وتجربة جبهة العمل الإسلامي في الأردن، والتجمع اليمني للإصلاح في اليمن، والإخوان الكويتيين، وحركة التوحيد والإصلاح في المغرب، وحزب الفضيلة في تركيا، والإخوان المسلمون في مصر، دورا بالغ الأهمية في نقل هذه الأفكار من الصعيد النظري إلى صعيد الممارسة العملية، وتغذيتها باستمرار بفعل ما تكشفه الممارسة من نقص الفكر وقصوره وحاجته المتواصلة إلى التجديد.

- تحدي الأقليات الدينية والعرقية والمذهبية، وهو تحدٍ خطير آخر سيواجه التيار الإسلامي عند وصوله إلى الحكم. فالمسيحيون في بعض البلاد العربية يمثلون ثقلا كبيرا لابد من الاعتراف بوجوده وحقوقه كاملة، حتى لا يمكن توظيفه، من قبل بعض القوى الخارجية المتربصة، في ضرب الاستقرار. والاختلاف المذهبي يشق بعض الدول العربية والإسلامية بشكل نصفي. أما الاختلافات العرقية فعلى رغم ضمورها بين أتباع التيار الإسلامي، فإنها يمكن أن تشكل تهديدا للوحدة الوطنية والإسلامية في أي وقت من الأوقات.

- تحدي التنمية ونمطها، وهو تحدٍ يواجه التيار الإسلامي بقوة، ولا ينبئ فكر هذا التيار بنمط خاص في التنمية. وعلى رغم الحديث عن النمط الإسلامي في التنمية، ونفي أن يكون نمطا رأسماليا أو نمطا اشتراكيا، فإن هذا النمط لا ملامح له حتى الآن. والتجارب الإسلامية تراوحت بين هذا النمط وذاك، وظلت معلّقة بين تناقضات الأنماط المختلفة، تميل يمنيا تارة وشمالا تارة أخرى. فقد عرفت إيران بعد الثورة الإسلامية نمطا تنمويا شبه اشتراكي في بداية الثورة مع رئيس الوزراء السابق مير حسين موسوي، ثم انتقلت إلى ما يشبه نمط اقتصاد السوق مع مجيء الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني. أما السودان فقد التزم بشكل حرفي بكثير من توصيات صندوق النقد الدولي، وعرفت إجراءات الحكومة الاقتصادية تراوحا بين التشدد الصارم والليونة المفرطة في قضايا اقتصادية عدة منها موضوع الاتجار في العملة. ومما لا شك فيه الآن أن الموضوع الاقتصادي يمثل واحدا من أهم التحديات المتعلقة بحياة الشعوب، وأن بقاء أية حركة أو أي تيار في حال عجز عن إدارة هذا الموضوع بدقة وحنكة ونجاح، معناه بقاؤه بعيدا عن التأثير الفعلي والواقعي في الأمور.

- تحدي العمل من خلال الدولة الحديثة التي تنامت أجهزتها ومؤسساتها بسرعة هائلة، ما جعل منها تنينا ضخما قادرا على مراقبة كل شيء، وقادرا على احصاء الأنفاس ومعرفة دقائق الأمور. وقد ساهم التطور العلمي والتقني في هذا الأمر بحدة فائقة. ومعلوم أن غالبية التقنيات الحديثة يتم اختراعها أو توظيفها في مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية أولا، حتى إذا قضت الدولة منها وطرا نقلتها إلى الساحة المجتمعية والمدنية. وللدولة آلياتها الخاصة ونمطها الخاص في العمل وإدارة الأمور، وهي إذا لم تتم السيطرة عليها، فإنها تسيطر على كل شيء، وتتحول إلى جهاز تفسيخ لأي مشروع فكري وسياسي وحضاري. وتحدي ترويض الدولة والحد من سيطرتها ونفوذها تحدٍ خطير يواجه التيار الإسلامي ومشروعه. ولابد في هذا السياق من ملاحظة أن الخطاب القرآني يتوجه إلى الناس فردا وجماعة، ولا يرد فيه أي توجه الى الدولة، على عكس الخطاب الإسلامي الحديث الذي يرهن مشروعه التغييري في بعض التجارب، بالدولة، ولا شيء غير الدولة.

وآلية مواجهة هذا الخطر المخيف هي في تقوية المجتمع المدني وتدعيم مؤسساته، حتى تقدر على خلق توازن قوة مع قوة الدولة. ولنا في التجربة الإسلامية القديمة خير مثال يحتذى به. فقد كانت الدولة الإسلامية في أزهى فترات قوتها، كما في أحلك فترات ضعفها، تتيح مجالا واسعا للمجتمع في إدارة كثير من شئونه بنفسه، مثل الصحة والتعليم، وغير ذلك. وكانت مؤسسة الأوقاف تلعب دورا عظيما في هذا الشأن، إذ توفر الأساس الاقتصادي لكثير من المناشط الاجتماعية المستقلة عن الدولة.

وللإنصاف لابد أن نسجل هنا أن حركات إسلامية كثيرة تولي أهمية لمسائل التربية والتعليم والعمل النقابي والاجتماعي والإغاثي والنسوي. ولها اهتمامات بالكشافة والأنظمة الشبابية والرياضية المتنوعة.

- يواجه الحركة الإسلامية أيضا تحدي الدولة القطرية، وهو تحدٍ أفشل الفكرة القومية وأذهب ريحها، وهو بالمرصاد لأي مشروع آخر.

فأولا: حدود هذه الدول مرعية ومحفوظة بالأساطيل الجرارة، والمؤسسات الدولية، وليس من السهل إصدار قرار بتوحيد قطرين عربيين أو إسلاميين أو أكثر. إذ من شأن ذلك الاخلال بموازين القوى المحلية والدولية.

وثانيا، فإن تجربة أكثر من قرن من التقسيم القطري، أوجد مصالح لفئات أصبحت مستفيدة من الوضع القطري من الصعب اجتيازها وشطب دورها المعارض للوحدة. وقد أوجد التقسيم القطري أيضا، ثقافة قطرية، تنتشر بشكل واسع، بين النخب والقطاعات الشعبية، من الصعب اجتيازها ما لم تواجه بثقافة توحيدية، تنبذ الحدود المصطنعة، وتستعيد أواصر القربى المفقودة. ومن المؤسف أن ترى الكثير من أبناء الحركة الإسلامية، التي يمثل مشروعها الأمل الباقي في الوحدة، تنخرهم الانتماءات القطرية الضيقة، على الصعيد الفعلي، على رغم الكلام الكثير عن الوحدة والتوحيد.

وثالثا: فإن عملية التوحيد بين الأقطار، لا يمكن تحقيقها بطريقة الغزو العسكري، وتجربة غزو العراق للكويت خير دليل على فشل هذا الخيار. وما يتبقى من خيارات أمام التوحيد سوى الخيار الديمقراطي، عبر الاستفتاء الشعبي العام، ولنا في تجربة الاتحاد الأوروبي مثال يحتذى به. غير أنه لابد من فقه أن هذا الأمر ذاته، غير ممكن الآن في ظل التوازنات الدولية

العدد 231 - الخميس 24 أبريل 2003م الموافق 21 صفر 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً