العدد 212 - السبت 05 أبريل 2003م الموافق 02 صفر 1424هـ

هل تحدث المفاجأة وتنهزم أميركا في العراق؟

صلاح الدين الجورشي comments [at] alwasatnews.com

.

هل يمكن أن تنهزم أميركا في العراق؟ سؤال مثير أخذ يتردد خلال الأيام الأخيرة. وهو احتمال لم يكن أحد يفكر في مجرد طرحه قبل أن ينطلق العدوان. فاختلال موازين القوى، وفقدان الجيش العراقي للغطاء الجوي، والضعف الاقتصادي والسياسي الذي كان يبدو على العراقيين نتيجة حربين متتاليتين، وحصار اقتصادي دام أكثر من عشر سنوات، والفجوة التي تعمقت عبر السنوات بين النظام وقطاع مهم من الشعب، كل ذلك وغيرها من العوامل، جعلت الجميع قبل الحرب يجمعون على القول إن الولايات المتحدة التي استكملت مهمة تغيير السلطة في أفغانستان، ستحقق انتصارا سريعا وسهلا. لكن سرعان ما بدأ المشهد يتغير، وتظهر معطيات جديدة لم تكن بارزة في الصورة، في مقدمتها عراقية شرسة وقدرة عسكرية على إطالة المواجهة لفترات يصعب تقديرها. عند ذلك أخذ الجميع يراجعون حساباتهم بما في ذلك البنتاغون والبيت الأبيض.

أميركا وجرثومة فناء الإمبراطوريات

الإدارة الأميركية الحالية تعاني من داء عضال سيقضي عليها في النهاية. ويتلخص هذا المرض في ثقة مفرطة في النفس، واستهانة مفرطة بالآخر وبكل الآراء والعوامل المضادة لما تعتقده صوابا وحقا. هذا السلوك الخطير والأرعن أدى إلى سلسلة من الأخطاء المتسارعة التي أثرت بوضوح على مسار الحرب.

استخفت هذه الإدارة بمختلف الآليات التي ارتكز عليها النظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وقررت في الأخير خوض الحرب ترافقها بريطانيا من دون تفويض من مجلس الأمن. وأبرزت منذ البداية أنها تريد احتلال العراق، حتى لو غادر صدام حسين ونجلاه البلاد. ثم أكدت لأحزاب المعارضة بأنها تريد الانفراد بحكم العراق، ولا تنوي السماح لها بدور مركزي في مرحلة ما بعد الإطاحة بالنظام، حتى لو قامت هذه الفصائل بتحريض مواطنيها على العصيان. بعد ذلك أخذت تمطر بغداد وبقية المدن العراقية بوابل من القنابل «الذكية» التي كان نصيب المدنيين منها القسط الواسع. ومع ذلك كله بقيت الإدارة الأميركية تتوقع أن يستقبلها العراقيون بالتهليل والورود، وأن تنهار القاعدة الاجتماعية والاقتصادية لنظام بغداد في أيام قليلة على رغم انها تخوض حرب وجود.

أطراف كثيرة تتمنى هزيمتها

إضافة إلى هذه السلسلة من الأخطاء والتوقعات غير الصائبة، كانت الضربات العراقية موجعة ومفاجئة، ما زاد في إرباك الأميركيين والبريطانيين. وبما أن العرب عموما تعودوا على الهزائم الساحقة والانهيارات السريعة، فقد ركزت وسائل الإعلام العربي على مظاهر الصمود العراقي، وبدأت تتحدث عن هزيمة محتملة للقوات الأميركية ـ البريطانية. والحقيقة ان القول بذلك لا يقف عند حدود الإعلام العربي، وإنما تردده أيضا جهات غربية. فعلى سبيل المثال أكد العضو السابق في جهاز المخابرات في البحرية الأميركية سكوت ريتر والذي استقال في العام 1998 من اللجنة الخاصة التابعة للأمم المتحدة التي كلفت بنزع سلاح العراق، أكد أن الولايات المتحدة ستخسر الحرب، لأنها لا تملك الوسائل العسكرية للسيطرة على بغداد، ما يجعل هزيمتها أمرا حتميا.

هذا الرأي يدافع عنه أيضا عدد من الخبراء العسكريين الألمان. ففي مقال نشرته المجلة الألمانية «فوكيس» في نهاية مارس/آذار أكد فيه بعض هؤلاء الخبراء أن اجتياح بغداد مهمة مستحيلة، وان ما حصل في ستالينغراد يمكن أن يتكرر. فهذه المدينة الروسية التي حاصرها الألمان مدة 900 يوم، بينت أن حرب الشوارع أدت إلى تحطيم كامل للمدينة وسقوط عدد ضخم من الضحايا. كما أن ثلث الرأي العام الفرنسي يتوقع بدوره هزيمة قوى التحالف. ولاشك في أن دولا كثيرة تتمنى أن يتحقق هذا التوقع رغبة في الحد من عنجهية أميركا، وهز مكانتها عالميا.

انتصر العراقيون على أكثر من صعيد

الثابت أن النظام العراقي، وبقطع النظر عن نتائج المعركة العسكرية، حقق لصالحه عدة نقاط. ربح المعركة الدبلوماسية قبل اندلاع الحرب عندما وجدت أميركا وبريطانيا نفسيهما معزولتين داخل مجلس الأمن وعلى الصعيد الدولي. كما حقق العراقيون خلال الأسبوعين الأخيرين على الأقل انتصارا إعلاميا بسبب تورط أعدائهم في أكاذيب ومغالطات فجة. يضاف إلى ذلك وقوف الرأي العام العربي والإسلامي والعالمي ضد الحرب. وخصوصا بعد القصف الفظيع الذي أصاب المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ. كما يمكن القول إن نظام بغداد تمكن أيضا من امتصاص الصدمة الأولى للهجوم، وصمد أكثر من أسبوعين. وتشير المعطيات إلى انه قد ينجح في إطالة الحرب أسابيع أخرى. وبذلك يصبح أول نظام عربي يصمد كل هذه الفترة في مواجهة دولتين في حجم أميركا وبريطانيا.

الوجه الآخر من الميدالية

على رغم هذه المكاسب، يعتبر من السابق لأوانه الحديث عن انتصار عراقي، وذلك للاعتبارات الآتية:

- لابد من القيام بتقييم موضوعي لحجم الخسائر في صفوف الجانب العراقي، البشرية منها والعسكرية والأضرار التي لحقت بالبنية التحية، وأثر ذلك كله على القدرة الدفاعية ومسار المعارك المقبلة، وتحديدا معركة بغداد. فالمصادر الرسمية العراقية بقيت شحيحة في تقديم معطيات دقيقة عن هذه الجوانب انسجاما مع سياستها التعبوية، ولكن ذلك لن يقلل من أهمية ما حققه الغزاة ميدانيا.

- إن الإيمان والروح الوطنية العالية يشكلان عاملا مهما في هذه الحرب غير المتكافئة، غير أن التفوق العسكري من شأنه أن يغير مجرى الحوادث ويفرض على الأرض أوضاعا مختلفة. فلاشك في أن محاولة اقتحام بغداد ستكون حماقة أميركية، وستؤدي إلى حمامات دم، لكن لا أحد يستطيع أن يتكهن بالنتائج التي ستترتب على ذلك. فالرئيس جورج بوش مصر على دفع جيشه إلى آخر الطريق، واستفاد كل الوسائل بما في ذلك الأسلحة الممنوعة.

- إن سقوط بقية المدن الأساسية في أيدي القوات الغازية مسألة لا يمكن التقليل من أهميتها وانعكاساتها كليا على مجريات الحرب. فهل ستشهد هذه المدن حرب عصابات؟ وهل ستتحقق اللحمة الوطنية بين كل مكونات المجتمع العراقي؟ أم ان ما يجري في منطقة الشمال مع الأكراد يمكن أن يتكرر في مناطق أخرى قد تتكيف مع متغيرات مرحلة ما بعد صدام حسين؟ كل هذه الأسئلة وغيرها تبقى مهمة وأساسية بالنسبة إلى تقييم مسار الحرب ومستقبلها.

اندلعت هذه الحرب في مرحلة تاريخية يعيش فيها العرب حال إحباط كاملة، لهذا تراهم يبحثون عن أمل في الخروج من النفق العام. يتمنون نصرا عراقيا يرد الغزاة ويعيدهم إلى بلدانهم منهزمين، لكن التاريخ سنن، وللحروب منطقها ووسائل نصرها.

أحدث الصمود العراقي إلى حد الآن رجة وجودية في الكيانات الفردية والاجتماعية العربية، وجعل الجميع يشعر بالفخر والاعتزاز. كما أن هذا التدفق من المتطوعين الذين انتقلوا إلى بغداد بحثا عن موت شريف، يذكر بسنوات الأربعينات حين سافر آباء هؤلاء المتطوعين وأجدادهم مشيا على الأقدام من أجل المشاركة في حرب فلسطين. روح عالية ونكران للذات واستعداد جبار لمقاومة الأعداء، لكن جرت الرياح بما لم تشته الأنفس. المطلوب هو تحليل الوقائع بشكل موضوعي، وتهيئة الرأي العام لكل الاحتمالات ولما تخفيه الأيام من حوادث قاسية، مع تقديم كل أشكال الدعم للعراقيين والدعاء لهم لكي يكون الله إلى جانبهم في هذه الأيام العصيبة

العدد 212 - السبت 05 أبريل 2003م الموافق 02 صفر 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً