العدد 171 - الأحد 23 فبراير 2003م الموافق 21 ذي الحجة 1423هـ

العراق من توازن الرعب إلى «السلام» المسلح

محمد صادق الحسيني comments [at] alwasatnews.com

يقول المثل العراقي الشهير: «لاحظت برجيلها ولا خذت سيد علي».

وإذ أتمنى من كل قلبي ان لا ينطبق هذا المثل على وضع المعارضة العراقية الوطنية اليوم فانني اخشى ان يكون الوقت قد فات على تصحيح الموقف وتحسين الصورة التي طبعتها في أذهان جمهور واسع من الرأي العام العراقي والعربي والاسلامي بخصوص الموقف تجاه المخطط الاميركي «المتخفي» باسم نزع اسلحة الدمار الشامل العراقية، لكنه الهادف إلى السيطرة على مقدرات الوطن الاسلامي برمته.

ثمة قول عربي مأثور مفاده «الانطباع اقوى من الحقيقة».

فما تركته المعارضة العراقية، من انطباع لدى جمهور الرأي العام الاقليمي والعالمي بخصوص التعامل مع التحرك الاميركي تجاه المنطقة عبر بوابة العراق، اظهرها وكأنها باتت «ملحقا» لمشروع التغيير واعادة رسم خريطة المنطقة على الطريقة الاميركية. وانها اي المعارضة باتت أشبه بمن تخلى عن مبادئه ومشروعه الخاص به للتغيير مفضلا المقبل الجديد «القادر» أكثر من غيره على تحقيق غايات المعارضة وآمال الشعب العراقي بعد ان اقتنع بها وبات مقرا بمظلومية الغالبية المضطهدة من أهل العراق.

الآن وقد اكتشفت أو تكاد بأنها خدعت ومن ثم خذلت كما يقول المبرزون ممن روّجوا «للعشيق» الاميركي، باتت أقرب الى من ينطبق عليه المثل المذكور أي : «بعد ان خسرت زواجها الاول مع الجمهور عندما غادرته إلى العشيق الجديد «سيد علي» اضحت اليوم وكأنها خسرت «العشيق» أو تكاد!

وحدة الشعب، يجب ان تبقى هي الملاذ الدائم الذي ينبغي لكل النخب السياسية الحاكمة منها والمعارضة ان تلجأ اليه في السلم وفي الحرب لتحديد اتجاه البوصلة في العمل السياسي. والشعب ليس فئة اجتماعية واحدة ولا فئة حزبية ولا فريق موال أو معارض بقدر ما هو وجدان العامة من الناس، الشعب ليس بطانة الحاكم وحوارييه ولا بطانة الزعيم وحاشيته انهم الدم الذي يسري في عروق كل مواطن حر وشريف يأبى الضيم من اي جهة اتى، انهم نبض الامة الذي لا يجتمع على الضربين المنسجم والموحد الا على الموقف الصح.

عندما اعترضنا مبكرا على «عسكرة» المعارضة و«عسكرة» العمل السياسي و«عسكرة» الموقف من العراق و«عسكرة» التعامل مع الصديق والخصم داخل العائلة الواحدة والقطر الواحد والوطن الواحد والعالم الواحد عربيا كان أو اسلاميا. وقلنا ان سبب العجز الذي نعاني منه جميعا ومن دون استثناء انما يكمن في تعاملنا مع ملفات الداخل (القطري والعربي والاسلامي) هو في العمل النخبوي الحزبي العنفي والعسكرتياري صرخ الكثيرون بأن الرجل انما يدافع عن الانظمة أو انه يتنكر للمجاهدين! في حين أن رأينا كان ولا يزال هو ان لا ملاذ ولا خلاص ولا نجاة الا في المجتمع الاهلي - المدني الذي يرفض العنف والعسكرة في الداخل وبين أهل البيت والقطر والوطن الواحد، وان السلاح انما يصبح زينة الرجال حقا فقط عندما يوجه إلى الغازي والمعتدي والمحتل الاجنبي.

الآن وبعد كل ذلك التخبط الذي صار مكشوفا للجميع من جانب النظام العراقي في تعامله مع الداخل والخارج وما واكبه من تخبط للمعارضة العراقية وكذلك الدول والقوى الاقليمية اصبح الشعب العراقي وللاسف الشديد خط الدفاع الاخير عن هذه القضية المظلومة والمهضومة بين اهلها ولدى اصدقائها فضلا عن اعدائها الذين يتربصون بها الدوائر للنيل منها في الصميم.

فهل يستأهل هذا الشعب العظيم بتاريخه وحضارته ومكانته ان يصبح «ولاية» اميركية يسرح بها ويمرح ممن يريدون «حلب» ثراوته لا غير؟ بعد كل ذلك النضال المجيد والتاريخ العريق في الكفاح منذ عقود طويلة بل وقرون متوالية.

اذا كنا حتى الامس القريب نرمي بالمسئولية فقط وفقط على شماعة النظام العراقي قد يكون ذلك مقبولا وقد يغفر الله لنا ما قصرنا فيه تجاه ذلك البلد العظيم وشعبه الكريم. اما وقد أصبح الغريب والبعيد وصانع المصائب لبلادنا بل وحتى العدو الصهيوني يسمح لنفسه بالبحث عن مستقبل العراق، فيما نحن أهل هذه المنطقة من عرب ومسلمين ومعارضة عراقية نتصرف وكأن العراق وشعبه من كوكب آخر ولا حول ولا قوة لنا لا في منع الحرب! ولا في طرح البديل! ولا في قول لا! ولا في قول نعم! وحجتنا في ذلك انهم لا يستشيروننا أولم يبلغونا بتحركاتهم أو سيناريوهاتهم.

فهذا هو البلاء بعينه، وشر البلية ما يضحك! ثمة من قال لي قبل مدة: «قل لاخوانك الايرانيين ان لا يرتبوا حالهم على ان اميركا آتية كما الساعة لا ريب فيها! وانها بصدد الانطلاق من «الولاية» الاميركية الجديدة التي اسمها العراق لتأديب الجميع حربا أو سلما».

انها مأساة حقا ان نصل إلى هذه الحال من الانبهار والذهول والقبول بالامر الواقع وكأن أميركا قدر حتمي لا يمكن تفاديه»!.

إلى الذين ينتظرون سقوط صدام حسين وحكومة «الطاغية» في العراق ليعم الخير والسلام والتعددية والديمقراطية والحريات في المنطقة نقول: ان الديمقراطية والسلام لا يمكن وباي شكل من الاشكال ان تصنعهما حروب العساكر ومدافع الجيوش.

قد يسقط صدام حسين وحكومة الطاغية في بغداد في المعركة التي باتت على الأبواب على رغم اهلها ولن يذرف احد دمعة واحدة على طاغية بغداد نعم، ولكن سيكون امامنا الكثير والكثير من التحديات والتداعيات الخطيرة لاننا تخلفنا عن واجب التغيير والاصلاح والكفاح السلمي الدؤوب المرهق للفكر والجسد لصالح «السلام المسلح» وفضلنا دائما «توازن الرعب» في علاقاتنا الداخلية سواء بين الحاكم والمحكوم أو بين أبناء الحكم أنفسهم أو بين ابناء المعارضة بتياراتها وانتماءاتها المختلفة. وبعد خسارتنا العراق وتسليمنا إياه طواعية للاجنبي، كل ما نتمناه نحن ابناء المجتمع الاهلي والمدني في بلاد العرب والمسلمين هو ان نتعلم من تجربة العراق ونستعبر، وأولى الخطوات على الطريق فتح باب المشاركة الواسعة للناس كل الناس (وهم مخلصون في الأصل ما لم تدفع بهم النخب الموتورة في الحكم كانت أم في المعارضة إلى حضن الاجنبي) في صناعة القرار في بلدانها والمساهمة في بنائها في مجتمع السلم الاهلي والمصالحة مع الذات والعودة إلى ما قبل الانبهار بكل ما هو قادم من الغرب أو النوم على وسادة المجد الغابر.

كاتب ايراني

إقرأ أيضا لـ "محمد صادق الحسيني"

العدد 171 - الأحد 23 فبراير 2003م الموافق 21 ذي الحجة 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً