العدد 64 - الجمعة 08 نوفمبر 2002م الموافق 03 رمضان 1423هـ

قصور المماليك المتبقية مهددة بالانهيار

أصبحت شكوى قصور المماليك الاثرية على كل لسان. فعوامل الزمن نالت منها والاهمال يهددها والمياه الجوفية خطر داهم عليها والفناء أصبح مصيرها بعد ان تداعى منذ ايام قصر الامير «طاز» وانهار قبله 93 قصرا ولم يتبق منها غير سبعة قصور فقط تئن من الشكوى وتناشد يد الانقاذ ان تمتد اليها لأنها ثروة اثرية مازالت شاهدة على التاريخ ونوازل الايام. قصور تحمل عبق التاريخ بين ثناياها والتدفق السياحي سمتها والاستثمار الامثل قادر على ادخال موارد سياحية جديدة.

التاريخ له معها حكايات وروايات يوم كانت تعج بأمرائها وجمال حريمها ولكن الزمن حولها بفعل الاهمال إلى اطلال تزدحم بالغربان وتسكنها الخفافيش والبقية الباقية منها لم تتركها المحلات التجارية والعشوائيات لتزداد آلامها وترتفع صيحات انينها لعل يد الانقاذ تدركها قبل فوات الاوان.

القصور بقسميها البحري والجركسي هي: قصر بشتاك بالجمالية، وقصر قوصون بالقرب من مسجد السلطان حسن، وقصر «آلين آق الحسامي» بباب الوزير، ومقعد الامير ماماي السيفي «بيت القاضي حاليا»، وبقايا السلطان الغوري «بالغورية»، وبقايا قصر السلطان الناصر محمد بن قلاوون المسمى بقصر «الابلق» بالقلعة.

اما قصر الامير «طاز» بشارع السيوفية بالقلعة، فانهار ما كان متبقيا منه قبل اكثر من شهر في منتصف النهار، والعناية الإلهية وحدها حفظت المارة من الموت تحت احجاره الثقيلة.

قصر «طاز» أنموذج لما وصلت اليه قصور المماليك من الخراب، فالقصر تابع لوزارة الاوقاف، وقد أجّرته إلى وزارة التربية والتعليم منذ عشرات السنين، واستخدمته الوزارة كمخازن، وعلى رغم هذا كله، فهو مسجل كأثر. ويقول خبير الترميم الاثري، وعضو اليونسكو. صالح لمعي ان قصر «طاز» كانت حاله متدهورة قبل زلزال اكتوبر/تشرين الأول 1992، كما اقيمت بداخله مبان حديثة. وفي ظل غياب الصيانة الدورية لهذا الاثر، إلى جانب سوء استعماله كمخازن للكتب، انهار ما كان متبقيا من هذا القصر. ويقول مدير عام آثار شمال القاهرة مدحت المنباوي إن كثافة حركة النقل حول القصر وداخله وكثافة استهلاكه هي عوامل إضافية ادت إلى تداعيه.

لأحمد بن زنبل الرمال المحلي، كتاب خطير الشأن، يرصد حياة الامراء المماليك في سنوات الحكم المملوكي الاخيرة اسمه «آخرة المماليك».

وأحصى ابن زنبل 32 قصرا للامراء المماليك، عند دخول العثمانيين مصر، لا يقوم منها الآن قصر واحد، وهي قصور: انس باي الحاج بشارع الصليبية، وتعنمر الزردكاش بالشارع نفسه، و«تاني بك» بقلعة الكبش، وازبك المكحل بالمدابغ، وقانصوه الفاجر بباب زويلة، ونجشباي بمواجهة باب زميلة، و«اربك راس الجلبان» بالصليبة، وطوماي باي الدودار الكبير ببركة الفيل، وقصر الامير علاء الدين ببركة الفيل نفسها، وقانصوه كرت بقناطر السباع، وتقطباي نائب القلعة بحمام بشتك، وابن السلطان جركس بسيدي عماد الدين، واركماس بالازبكية، وتاني بك الخازاندار ببيت القاضي، و «سودون» بالخرنفش، وقانصوه ابو سنة بسوق السلاح، و«خوشي كلدي» بالتبانة، واقباي الطويل ببيت ترابية، و«سودون العجمي» بالناصرية ، وقانصوه اصقلة بباب الخلق، وكرتباي الوالي بسوق السلاح، و«جنبلاط ابوترسين» بالقلعة، وقانصوه رجلة بالرميلة، إلى جانب قصور السلطان الغوري بقلعة صلاح الدين، التي كانت مخصصة لمن يشغل منصب السلطان، منذ عصر السلطان الناصر صلاح الدين.

وما تبقى من قصور المماليك يخرج جميعه عن هذا الحصر، وابن زنبل هنا يحصي قصور النصف الثاني من عصر المماليك الجراكسة، مما يعني ان قصور المماليك - جميعا - تخطى عددها المائة قصر، بالتالي، فقد فقدت مصر اكثر من 90 % من قصور الامراء المماليك في 500 سنة تقريبا.

اول ما سكن المماليك القصور، كان في عهد السلطان «الصالح نجم الدين ايوب» آخر السلاطين العظماء في العصر الايوبي، والذي يعد المسئول الاول عن جلب طبقة المماليك إلى مصر ليستعين بهم في الحروب الصليبية وكان ابرزهم قطز وبيبرس وقلاوون.

ومثلت قصور المماليك الطبقة الجديدة الحاكمة خير تمثيل، وتوسع المماليك في ابهة السلطنة وصاروا اكثر تنعما بها من السلاطين الايوبيين، ولم يكن قصر مملوكي يخلو من الخدم والغلمان، والحرملك، واسطبلات الخيل والدواب، والحدائق الواسعة، وقاعات اللهو والافراح، وغرف النوم (كانت تسمى خزائن النوم)، إلى جانب ساقية تجلب المياه، وطاحونة لطحن غلال القصر والحراس والحجاب.

وتنافس الامراء في اقتناء المماليك، وصارت كثرة عدد هؤلاء المماليك دلالة على الوجاهة وقوة المركز، وانتسب كل مملوك إلى الامير الذي جلبه، وظل معظمهم في طبقة الحرس والمحاربين، فيما ارتقى بعضهم وأُعتق، وصار اميرا.

وفي قصور المماليك خصصت قاعات فسيحة، للهو والافراح، وهي تتخذ طراز «الايوان» اي صحن تحيط به اربع غرف مفتوحة عليه من الجهات الاربع، وهو الطراز الذي كان مستخدما في المدارس، حيث تدرس في هذه الاواوين مذاهب الفقه الاربعة، فنقلها الامراء المماليك إلى قصورهم.

وفي كل قصر اسطبل للخيل، له متخصصون في الخدمة، وكان الامير يباشر الخيل يوميا بنفسه للاطمئنان عليها، ويعين افضل الخبراء برواتب ضخمة، اما الحدائق الواسعة فكان لها القائمون عليها «الجناينية» الذين كانوا يجلبون نباتات وازهارا نادرة إلى حدائقهم، مهما كلفهم ذلك من المال.

يقول خبير ترميم الآثار وعضو اليونسكو سيد كريم: «ماذا يجدي ترميم القصور المملوكية، بينما تستمر مشكلة المياه تحت السطحية تهدد هذه القصور، وتتلف اي ترميمات مهما تكن دقتها؟».

هذه المياه تتسرب إلى الاساسات ثم تدور الدائرة مرة اخرى دون جدوى، ولنضرب مثلا على ذلك بقصر بشتاك، فقد جرى ترميمه في الثمانينات، على يد البعثة الالمانية، ولكن اضطر المسئولون عن الآثار إلى العودة لترميمه هذه الايام، لأن المياه تحت السطحية اتلفت هذا الترميم، ومن هنا نؤكد ان اي عملية ترميم ستكون ناقصة من دون التصدي لعلاج مشكلة المياه!

ويعلل كريم بقاء البنايات المملوكية الشامخة «كمسجد السلطان حسن» ومجموعة قلاوون، وجامع برقوق واندثار القصور في الوقت نفسه بقوله: «تفاوت تأثيرات الرطوبة هو الذي انقذ تلك الآثار، اما القصور فحظها سيئ ومعظمها يسبح على حمامات من المياه تحت السطحية، مع ان القصور تتساوى مع الابنية الاخرى في كل المزايا، فتقنيات البناء واحدة، والاحجار من النوع نفسه، والمعماري الذي كان يبني المسجد كان يبني القصر، وكان رئيس هؤلاء المعماريين يسمى «معلم المعلمين».

وتشير تحفة حندوسة إلى ان تضارب الاختصاصات بين الجهات المشرفة على القاهرة التاريخية، هو سبب شديد الخطورة وراء تدهور حال القصور وحال الآثار الاسلامية عموما. وتضيف: «لابد من إنشاء هيئة مستقلة للقاهرة التاريخية، تلك الصلاحيات كافية، والخطة بعيدة المدى ومراحل تنفيذها لا تخضع للبيروقراطية، ويكفي ان نعلم ان الجهات التي لها علاقة بالقاهرة التاريخية هي المحليات والآثار والاوقاف والاسكان. والطريف ان كلا من الاسكان والآثار ومحافظة القاهرة لديه جهاز يحمل اسم «تطوير القاهرة التاريخية» وهي حال غير موجودة في اي بلد في العالم سوى مصر!

خدمة (أ.ب

العدد 64 - الجمعة 08 نوفمبر 2002م الموافق 03 رمضان 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً