شكّل مساق دراسي عن تنظيم القاعدة وظهور الإرهاب الدولي أحد أكثر المساقات شعبية الفصل الماضي بكلية كينيدي في الحكم بجامعة هارفرد للنخبة.
شكل الطلبة من دول كثيرة الذين اكتظت بهم أكبر مدرّجات الكلية في الصف الذي يعقد مرتين في الأسبوع، مقطعا عرضيا من الأميركيين والأوروبيين والشرق أوسطيين وكذلك أفراد من الجيش الأميركي ومجتمع المعلومات والاستخبارات الذين حصلوا على إجازات تفرغ. أعطاني مجرد حضور المساق شعورا بالموقع المستقبلي للنخب الغربية، وتلك التي تحاول أن تكون غربية، فيما يتعلق بتلك «الحرب الطويلة».
أستاذ المساق كان بيتر بيرغن، الصحافي الذي عقد أول مقابلة وجها لوجه مع أسامة بن لادن على الـ»سي إن إن.» جعل كتابه وعنوانه «أسامة بن لادن الذي أعرفه» منه شخصا يسعى الجميع للوصول إليه بعد حوادث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، بينما أسرع زملاؤه في العلاقات الخارجية للتخلي عن خلفياتهم في الدراسات السوفيتية والتحول إلى موضوعات الجغرافية السياسية للشرق الأوسط.
أصبح بيرغن محللا عبر الأمم في موضوعات الإرهاب يتحدى النزعة لوضع جميع الإرهابيين في خانة واحدة. بدلا من ذلك قام بتصنيفهم بحسب الجيل والمصدر الإقليمي والنزاع الذي شكّل منظورهم الفكري.
كانت الجلسة الأخيرة في المساق هي الأكثر بنّاءة: كيف وصلت وجهات نظر الأميركيين بشأن «الحرب على الإرهاب» مرحلة النضوج.
هناك تحول الآن من الرعب الشديد وعدم الفهم والإسراع إلى الاستنتاج بأنهم «يكرهوننا بسبب حرياتنا»، وهو الرد السائد بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، إلى النظر إلى القاعدة كمجموعة متشظية يمكن تدميرها والتغلب عليها من خلال التلاعب والسيطرة على فروقاتها الداخلية.
سار بيرغن جيئة وذهابا في القاعة المدرّجة، يسأل طلابه عن توصياتهم لدحر القاعدة. كان على رأس الأجندة إصلاح نظام الاستخبارات وإعادة هيكلة البيروقراطية. اقترح البعض أن النقص في المحللين في الهيئات الإستخبارية يمكن التغلب عليه عن طريق إجراء بحث معمق في المعلومات الإستخبارية السرية بحثا عن أية مؤشرات قد تقترح مصدرها (وبذلك لا يتم الكشف عن العملاء الميدانيين)، ومن ثم دعوة محللين لم يتم التصريح لهم أمنيا في مجال الاستخبارات التجارية لبحث المعلومات.
اعتقد آخرون أنه يجب النظر إلى العرب الأميركيين كمصدر قوة وليس كعبء، كما ينزع برنامج التقصي الأمني الحالي لأن يصنفهم.
اقترح كريم، وهو طالب من أصول لبنانية أن تقوم دائرة الأمن القومي نشر شبكة من المخبرين من مجموعات المهاجرين لأن «هؤلاء الأشخاص جاءوا إلى هنا واستفادوا من طيبات هذا البلد، لذا يجب عليهم تقديم شيء بالمقابل». اقترح دبلوماسي يلبس قميصا كتب عليه «الصداقة الأميركية الكويتية»، بجدية على ما يبدو، أن يعاد توظيف موظفي البنتاغون ذوي الخبرة التي تزيد على عشرين سنة في وزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات الأميركية لإعادة إحياء هذه المؤسسات.
عموما، اتجه الطلاب الأميركيين نحو حلول سطحية لكسب القلوب والعقول في العالم الإسلامي. بدا وكأنهم يعتقدون أن عملية إعادة تغليف أنيقة للحرب على الإرهاب، أو إعادة تصفيف الكينونات البيروقراطية في وزارات الدفاع والخارجية ستحل المشكلة.
اقترح أحد الطلبة الأميركيين أنه يتوجب على حكومة الولايات المتحدة مواجهة القاعدة بأسلوب «إنكار الاسم»، إذ يُمنع المتحدثون الرسميون باسم الحكومة والمسئولون فيها من الإشارة إلى المنظمة باسمها. برأيه أنه نتيجة لحرمان التنظيم من أوكسجين الدعاية الإعلامية، سينكمش الإرهابيون ويختفون عن الوجود. سأل بيرغن الطالب ما إذا كان يتوجب على إدارة الرئيس بوش كذلك أن تمنع الإعلام المحلي من الإشارة إلى القاعدة. تلعثم الطالب وانفجر الحضور بالضحك.
مازال الكثير من الأميركيين مترددين في الاعتراف أن التغليف الأكثر أناقة لن يجعل السياسات الأميركية مستساغة أكثر بين جمهور الشرق الأوسط أو تحسين صورة واشنطن في المنطقة. من الأمثلة على ذلك كارثة قناة الحرة التلفزيونية العربية التي أنشأتها وزارة الخارجية الأميركية. إلا أن تبريرا سطحيا كهذا يرن صداه على أعلى المستويات في الإدارة الأميركية. في خطاب له في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أعرب وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس عن استغرابه لأن القاعدة «تجيد إيصال رسائلها الإعلامية على الإنترنت بصورة أفضل من أميركا».
تجد رسالة القاعدة المعارضة للغرب وللتدخل الأجنبي صدى واسعا بين جمهور العرب والمسلمين الذين سئموا ما يرون أنه استعمار جديد يتدخل في شئون المنطقة. ويجري تعزيز وجهات النظر هذه بتغطية تلفزيونية يومية للاحتلال الذي تقوده الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، والدعم الأميركي للنخب الحاكمة التي لا تتمتع بشعبية، ومحاولات إحباط الحركة السياسية الشعبية مثل حزب الله وحماس عندما تفوز في الصندوق الانتخابي.
غامر طالب أوروبي وحيد في مدرج بيرغن قائلا انه لا يمكن إلا لتحول كبير في سياسة واشنطن تجاه المنطقة أن يؤتى بثمار حقيقية وأن يدفع محاولات الولايات المتحدة النجاح في صراعها ضد الإرهاب. اقترح الطالب أن وقف الدعم غير الحرج لـ»إسرائيل» قد يتغلب على الشعور السائد في العالم العربي بأن الولايات المتحدة ليست «وسيطا غير صادق». واجهت ملاحظاته صمتا تاما.
هل سيصبح جيل جديد من خريجي كلية كينيدي للدراسات العليا بيروقراطيين فاعلين وجنودا في الحرب الطويلة؟ هل بإمكانهم توفير الوعي الثقافي لأميركا، الذي تحتاجه لدحر أعدائها على ساحات حرب الشرق الأوسط؟
يعتقد خبراء الإرهاب مثل مارك سيجمان أن القاعدة أصبحت معرضة لخطر الزوال. ولدى غيره، مثل عميل وكالة الاستخبارات الأميركية السابق مايكل شوير تفسيرات أكثر سخرية لما يوصف «بالتحول المذهل». يعتقد شوير أن إعلانات سابقة لأوانها عن انتهاء القاعدة «قد يقصد بها تطمين الأميركيين إلى أن القاعدة هُزمت إذا كان من الضروري خلال الشهور القليلة القادمة أن تهاجم القوات الأميركية إيران».
بغض النظر أين تكمن الحقيقة فإن خريجي كلية كينيدي لعام 2008 سيجري ذكرهم على أنهم الجيل الذي شكّلته الحرب الطويلة.
* زميل بمنصب نيمان بجامعة هارفرد قام بتغطية إيران للصحافة العالمية بين السنوات 2004 إلى7 20
العدد 2188 - الإثنين 01 سبتمبر 2008م الموافق 29 شعبان 1429هـ