العدد 90 - الأربعاء 04 ديسمبر 2002م الموافق 29 رمضان 1423هـ

ربما ستنتصر الولايات المتحدة ولكنها ستخرج من المعركة مثخنة الجروح

الحرب على الإرهاب

بشير موسى نافع comments [at] alwasatnews.com

.

طبقا لتقارير صحافية أميركية، هناك الآن على الأقل 12 معسكرا للتدريب تديرها عناصر تابعة لـ «القاعدة» في مختلف أنحاء أفغانستان، خصوصا في المناطق الجنوبية، والجنوبية ـ الشرقية والوسطى. هذه معسكرات صغيرة، بسيطة التكوين والأدوات، وقد يضطر المسئولون عنها عند الضرورة إلى إغلاقها وإعادة نصبها في موقع آخر. ولكنها معسكرات تدريب على أية حال، ويدل وجودها على أن هناك طلبا عليها وحاجة إلى خدماتها. وعلى رغم أن من الصعب تقدير الأعداد الوافدة إلى هذه المعسكرات، فإن من المعتقد أن عشرات من الشبان الأفغان (وربما عرب وباكستانيين وغيرهم) يتلقون التدريب العسكري في لحظة ما على أيدي خبراء من «القاعدة».

هؤلاء الذين ينهون تدريبهم، يخرجون إلى مختلف أنحاء البلاد ضمن مجموعات صغيرة، أو حتى أفرادا، ينتظرون الأوامر لتنفيذ هجمات محددة أو قد تترك لهم المبادرة في اختيار أهدافهم.

هذه الصورة لأحد جوانب الوضع الأفغاني، بعد أكثر من عام على الانتصار الذي حققته الولايات المتحدة ضد نظام «طالبان»، ومن ثم انهيار النظام وتشتت قياداته وحلفائهم من تنظيم القاعدة، هي صورة صارخة الدلالة. ما يؤكد هذه الصورة أن معدل الهجمات على مواقع وجود القوات الأميركية في ازدياد مطرد منذ مطلع الصيف الماضي، كما يؤكدها التصريح الذي أعطاه قائد القيادة المركزية الأميركية (المسئول عن مسرح العمليات في أفغانستان والشرق الأوسط) قبل أسابيع قليلة، مشيرا إلى أن القوات الأميركية في أفغانستان قد فقدت قوة الدفع. الجوانب الأخرى للصورة الأفغانية لا تقل قتامة فيما يتعلق بسياق الحرب الأميركية ضد الإرهاب. فالقيادات الرئيسية للقاعدة مازالت حيّة ترزق، وعلى رغم اختفائها عن الأنظار، فالواضح أنها مازالت تستطيع إيصال صوتها إلى العالم وإلى أتباعها وحلفائها. بل مازالت تستطيع، نسبيا على الأقل، إعادة بناء وجودها العسكري في أفغانستان وتنظيم حركة عناصرها وأنصارها من وإلى الساحة الأفغانية. وليس ثمة من سبب للاعتقاد بأن القاعدة أضعفت ماليا جراء الملاحقة الأميركية والاستخباراتية العالمية، فالأموال ذات المصدر القاعدي تصل إلى أنحاء مختلفة من أفغانستان وبأرقام ملموسة أخذت تلحظها دوائر الإعلام والصحافة العابرة. باختصار، يبدو أن القاعدة تقود حركة إحياء طالباني واسعة النطاق في أفغانستان، وأنها تقوم بذلك في مواجهة وجود عسكري أميركي متسع ونشط، وفي محاذاة نظام حكم أفغاني معاد، مركزيا وجهويا.

لا يقل الفشل الأميركي في إعادة بناء نظام بديل لطالبان، مستقر وموال لواشنطن، عن الفشل في القضاء على القاعدة وطالبان. بل إن النظام الأفغاني الحالي يثير سخرية حتى أشد المؤيدين للسياسة الأميركية. فإن كان نظام طالبان جسد حالا من التعصب وضيق الأفق، إلى جانب عدائه الثيولوجي للسمات السائدة للثقافة ونمط الحياة الغربية الحديثة، فإن النظام البديل لطالبان يضم الكثير من اللصوص والقتلة ومجرمي الحرب. الوطنيون الأفغان الموالون للولايات المتحدة، من أمثال قرضاي، والذين ظن البعض في واشنطن قبل عام أن بإمكانهم بناء دولة جديدة و«حديثة»، هم مجموعة من الشخصيات الضعيفة التي تفتقر إلى القاعدة الشعبية. إنجازات هؤلاء أثناء فترة الحرب الأميركية القصيرة على أفغانستان جاءت، كما أصبح واضحا الآن، بفضل ملايين الدولارات الأميركية التي وضعت تحت تصرفهم، إضافة إلى ازدياد الإحساس لدى الكثير من القيادات الطالبانية بأن الحرب المباشرة ضد الآلة العسكرية الأميركية الهائلة هي حرب خاسرة على كل الأحوال. الآن، يعمل ضعف النظام، والانقسامات الهائلة داخله، وفقدان الثقة الدولية به ومن ثم ضآلة المساعدات الخارجية المقدمة إليه، وعودة الروح إلى «القاعدة» و«طالبان»، على تأسيس حال من التورط الأميركي بعيد المدى في المسرح الأفغاني.

بيد أن تعقيدات الحرب الأميركية ضد الإرهاب لا تنتهي عند أفغانستان، فالهجمات ضد أهداف أميركية وغربية تنتشر الآن عبر أنحاء العالم وبوتيرة تستعصي على تقدير أكثر المراقبين إطلاعا. إن صدقت التوقعات بأن الهجومين على السياح الإسرائيليين وعلى الطائرة الإسرائيلية في ممباسا هما من تدبير «القاعدة»، أو أحد التنظيمات الحليفة لها، فنحن إذن أمام ارتفاع مثير في معدل نشاطات «القاعدة» خارج الساحة الأفغانية عما كانت عليه الأمور قبل 11 سبتمبر/ أيلول وانهيار «طالبان»، وأمام تحول نوعي في الوسائل التي تستخدمها القاعدة وحلفاؤها. بعد أكثر من عام على الحرب الأميركية على الإرهاب كان يجب أن تكون النتائج خلاف هذا، وأن يفرض على «القاعدة» التراجع على الأقل. هذا فشل أميركي واضح، وقد أصبح من الضروري، والمسوغ، أن نبحث عن أسباب هذا الفشل وأن نحاول تقدير بعض آثاره، طالما أن إدارة الرئيس بوش قد جعلت «الحرب على الإرهاب» الإطار الاستراتيجي لسياستها الخارجية في مطلع القرن الجاري.

السبب الأول وراء الفشل الأميركي أن «القاعدة» ليست تنظيما أو حزبا أو منظمة، كما يوحي الإعلام الغربي في توصيفه لها. ما يعرف بـ «القاعدة» هو تنظيم غير هرمي لا يزيد تعداد عناصره ربما على بضع مئات، ولكن قوة «القاعدة» هي في مجموع العلاقات والتحالفات التي تربطها بقوى وتنظيمات متعددة، محلية، ذات جذور في بلدانها، ابتداء من جنوب شرق آسيا إلى الجزيرة العربية، ومن شمال إفريقيا إلى شرقها. تربط هذه المجموعات بـ «القاعدة» مشتركات فكرية وثقافية متفاوتة التأثير والأهمية، ولكن العنصر الأكثر تأثيرا وأهمية في هذه الروابط هو الغضب من سياسات واشنطن والاستعداد للتصدي للنفوذ الأميركي. تواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها في «القاعدة»، وللمرة الأولى، ليس فقط عنفا مستقلا عن أية دولة يمكن التوصل معها إلى اتفاق أو مساومة، بل أيضاَ عنفا غير قابل للتفاوض أو المساومة. كانت «القاعدة» هي التي أعلنت الحرب على الولايات المتحدة، وهي تتصرف منذ 1998 على اعتبار أنها في حال حرب، وهي حال حرب مطلقة لا مجال فيها (حتى الآن على الأقل) للبحث عن المشترك أو التوصل إلى تفاهم ما، لا بالتفاوض ولا بقوة السلاح. في ظل هكذا حرب، كلما تعثرت خطى الخصم تعاظمت الثقة في الذات وتعمق الإحساس بحجم الإنجاز مهما كان هذا الإحساس خاطئا.

فوق ذلك، تمثل «القاعدة» تعبيرا عنيفا عن حال عداء متزايد ضد السياسات الأميركية في العالم يبدو واضحا ليس في دول القارة الأوروبية الغربية فحسب بل أيضا في بريطانيا ذات العلاقات التحالفية التاريخية مع أميركا. في أميركا الجنوبية، يعود اليسار إلى الحكم الآن بقوة صناديق الاقتراع، وفي العالم العربي وأنحاء عدة من العالم الإسلامي وصل العداء للسياسات الأميركية خلال الأعوام القليلة الماضية إلى مستويات لم يصل إليها منذ أن أصبحت الولايات المتحدة لاعبا رئيسيا في الساحة الدولية عقب نهاية الحرب العالمية الثانية.

الواضح بالطبع أن النخبة الأميركية الحاكمة لم تدرك أهمية الفرصة التاريخية التي أتاحتها لها نهاية «الحرب الباردة» والانتصار على الكتلة الشيوعية، وبدلا من أن تستغل التفرد الذي حققته في الساحة الدولية والنوايا الحسنة التي أبدتها شعوب العالم والكثير من قواها السياسية تجاهها، تصرفت واشنطن على مختلف أصعدة النظام الدولي من دون اكتراث كبير بقيم الخير والعدل والتعاون بين الشعوب.

ما إن انتهت احتفالات الانتصار «الديمقراطي» في أوروبا الشرقية وانحسار اليسار الماركسي بتجلياته كافة في أنحاء العالم الأخرى، حتى تكشف للعالم الوجه البشع للقوة الأميركية، والاستهتار بالاتفاقات الدولية بشأن البيئة وغيرها من المسائل الملحة على ضمير المجتمع الدولي وفي حياته... عولمة اقتصادية ومالية بشعة وشرسة لا يحركها إلا تحقيق مزيد من الإثراء للشركات الأميركية والسيطرة على مقدرات الأمم الأخرى، والكيل بعشرات المكاييل فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وانتشار عسكري أميركي غير مسبوق في العالم، والعالم الإسلامي على وجه الخصوص.

كل ذلك يعيد الأمور إلى العلاقة الوثيقة بين الإرهاب والبيئة التي يوجد فيها الإرهاب. بعض المعلقين السذج من عرب وغربيين، كما قطاع من المسئولين الأميركيين، يضع العلاقة بين الإرهاب والبيئة في إطار مناهج التعليم السائدة في هذا البلد أو ذاك، أو تحقيق إصلاحات سياسية في هذا النظام أو ذاك. العنف الموجه ضد الولايات المتحدة لم تولده مناهج التعليم أو قيم إسلامية معينة، بل ولدته حال من الغضب والإحساس العميق بالإهانة، حال من الغرور الأميركي ومن التناقض الفادح بين الخطاب الغربي والسياسات الغربية. كان هذا العنف سيظهر بغض النظر عن الثقافة التي يستند إليها أو يجد فيها المسوغ والشرعية، وإلا فلماذا تواجه الولايات المتحدة، أغنى دول العالم وأكثرها جاذبية واستقرارا، حارسة القيم الديمقراطية ومصدر الثقافة والفن الأكثر انتشارا، لماذا تواجه هذا العداء المتزايد لسياستها في أنحاء العالم كافة؟

في النهاية، ربما ستحرز الولايات المتحدة الانتصار على موجة العنف والإرهاب هذه، كليا أو على الأقل إلى الحد الذي يجعلها مصدر تهديد محدود، إلا أن الولايات المتحدة ستخرج من هذه الحرب مثخنة الجراح، ليس بالمعنى العسكري ولكن بمعانٍ أخرى. لأن الولايات المتحدة لا تريد النظر إلى جذور العداء المتسع لسياساتها، لأنها اختارت مواجهة هذا التحدي بوسائل الحرب والسعي إلى مزيد من السيطرة وفرض الإرادة والتمترس، فإن الانتصار ضد «القاعدة» لن يقل سوءا عن الهزيمة. خلال عام واحد من الحرب، تحولت الولايات المتحدة إلى قلعة أمنية، خسر الشعب الأميركي الكثير من حرياته واستقلاله عن الدولة، عادت الولايات المتحدة وعدة دول غربية أخرى إلى ما يشبه عصر ما قبل القانون، تعتقل المشتبه فيهم بلا محاكمة، وتحاكم البعض بأدلة سرية، وتؤسس علاقاتها مع كثير من الشعوب على أساس شراء الذمم والتجسس والعمالة

العدد 90 - الأربعاء 04 ديسمبر 2002م الموافق 29 رمضان 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً