العدد 35 - الخميس 10 أكتوبر 2002م الموافق 03 شعبان 1423هـ

أنقرة تريد من واشنطن ضمانات والأكراد يريدون حماية أميركية للشمال

تركيا وأكراد العراق

سالم شكور comments [at] alwasatnews.com

من المفارقات في الموقف التركي وهواجسه حيال التطورات المستقبلية للملف العراقي ان انقرة تخشى من احتمالات تقسيم العراق من جهة وتتوجس من أية محاولة توحيدية تجري داخل الساحة العراقية. يتضح هذا الموقف تحديدا في القلق الذي تعاملت به الحكومة التركية مع التئام البرلمان الكردي العراقي الموحد للمرة الأولى منذ الانقسام الذي شهدته الساحة التركية في العام 1996. فرئيس الوزراء بولنت اجاويت ابدى وباقي المسئولين قلقهم مما اسموه «دلالات ونتائج» عودة البرلمان الموحد وما يمكن ان يشير إليه من عودة اللحمة إلى الساحة الكردية العراقية، في وقت وصل الموقف التركي فيه إلى حد التهديد باحتلال محافظتي الموصل وكركوك عسكريا إذا فكر الأكراد في إعلان دولة مستقلة او قاموا بضم كركوك إلى منطقتهم.

كثيرا ما افصح الاتراك عن قلقهم من تطورات الملف العراقي وما يجري الحديث عنه بوتيرة متصاعدة عن احتمالات شن واشنطن حربها الواسعة بهدف إسقاط نظام الرئيس صدام حسين. ونقطة ارتكاز المخاوف التركية هي الخوف من ان تسفر الحرب عن تقسيم العراق وعن قيام كيان كردي مستقل في شماله إما من خلال استغلال ظروف الحرب لفرض «أمر واقع» او من خلال صفقة تخشى انقرة ان تكون واشنطن عقدتها او تعقدها قريبا مع الاكراد تتم على أساسها مقايضة المشاركة الكردية الميدانية في الحرب مقابل دعم واشنطن لقيام كيان كردي مستقل. من هنا كانت انقرة تنظر بقلق إلى اجتماع البرلمان التركي وخصوصا أن واشنطن وجهت إليه رسالة دعم، بل ان اللقاء الذي تم بين الزعيمين الكرديين مسعود البارزاني وجلال طالباني وأسفر عن اتفاق على عودة البرلمان إنما تم على أساس «نصيحة» أميركية مشددة.

ولا يبدو ان التطمينات الكردية بل وحتى الأميركية لانقرة قادرة على تبديد الهواجس التركية حيال الاكراد العراقيين التي تتعدى - كما يبدو - موضوع قيام الكيان الكردي المستقل لتشمل حتى مجرد قيام كيان فيدرالي كردي ضمن عراق موحد. فالزعيمان الكرديان أكدا في كلمتيهما أمام البرلمان ان الدولة الكردية لا وجود لها في أهداف الأكراد وتحركاتهم، وحاولا تطمين الدول المجاورة والمقصود هنا تركيا أكثر من غيرها. ولا يخفى ان أسباب المخاوف التركية تعود إلى احتمال ان يحرك قيام الكيان الكردي سواء المستقل او الفيدرالي، أكراد تركيا إلى المطالبة بحقوق مماثلة، وهو ما لا يستطيع الساسة الاتراك تقبله. وقد دخل على المخاوف التركية عنصر جديد عندما بدأ أكراد العراق يطالبون بضم مدينة كركوك إلى إقليم كردستان ضمن الكيان الفيدرالي المستقبلي، وهي منطقة غنية بالنفط ما يزيد المخاوف لدى الساسة الأتراك الذين يرون كل ذلك سيزيد من عناصر القوة التي تساعد على إقامة دولة كردية مستقلة.

في هذه المرحلة التي يجري فيها التحضير للعمليات العسكرية الاميركية في العراق فإن المخاوف التركية المتصاعدة بسبب غموض الموقف وضبابية الخطة الأميركية، تقابلها مخاوف لدى الاكراد من نوايا تركية في شمال العراق وإمكان استغلالها ظروف العمليات العسكرية المنتظرة للاندفاع إلى الأراضي العراقية والسيطرة على مناطق من الشمال بذريعة منع قيام الدولة الكردية، بينما الهدف الحقيقي ربما يكون تحقيق أحلام تركية قديمة في هذه المنطقة. إذا ما تحقق ذلك ستكون كردستان العراق ساحة حرب طويلة بين الأكراد العراقيين وتركيا. وما يزيد من مخاوف الاكراد العراقيين من نوايا انقرة، لجوء الاخيرة إلى دعم التركمان العراقيين على كل المستويات وهؤلاء يوجدون حاليا في محافظتي كركوك والموصل وهما خاضعتان للحكم المركزي حاليا كحركات سياسية وتنظيمات فاعلة داخل المنطقة التي تسيطر عليها الأكراد. وهذه التنظيمات تتمتع بدعم سياسي ومالي تركي بل ان التوغل التركي في المنطقة يتم منذ عقد من خلال جمعيات انسانية وخدمات صحية ومدارس وجامعة في مدينة أربيل تعتمد كلها اللغة التركية ومناهج التعليم المعتمدة في تركيا. فضلا عن ان الاكراد يتحدثون عن حملات تتريك مكثفة من خلال اشتراط الهوية التركمانية لمنح بعض التقديمات والامتيازات. كل هذا يعني ان انقرة تخطط للعب الورقة التركمانية مستقبلا. وينقسم تركمان العراق سياسيا إلى فريقين الأول ذو اتجاه قومي تركي وهو قريب من أنقرة ولحركاته مكاتب في تركيا وصلات رسمية مع الحكومة، أما التيار الآخر فهو إسلامي قريب من إيران ويتمتع بعلاقة عادية مع انقرة. وحديثا بدأ الاتراك يتحدثون عن إمكان - بل وضرورة - إقامة منطقة حكم ذاتي تركماني بذريعة ضمان مصالح التركمان العراقيين، إذا ما تقرر ان يكون العراق المستقبلي فيدراليا، لكن هذه المطالبة تبدو أقرب إلى مطلب حقيقي.

بل ان التهديد بالاحتلال العسكري لشمال العراق يبدو ضغطا من جانب انقرة على الاكراد والجانب الاميركي في آن. فأنقرة تريد ثمنا كبيرا من واشنطن لقاء دعمها في عملياتها القادمة ضد العراق، بعض هذا الثمن مادي يتمثل في ضمان مصالحها في العراق في حال تغير النظام إثر الضربة العسكرية، وأخرى غير مادية بنيل وتأييد واشنطن للموقف التركي في قبرص وموضوع الدخول إلى الاتحاد الأوروبي وضمان عدم قيام دولة كردية في شمال العراق.

الأكراد العراقيون مازالوا محكومين بهاجس التخلي عنهم من جانب واشنطن وبالتالي تعرضهم لنكبات كبيرة سبق ان عانوا منها في حالات مشابهة خلال العقدين الاخيرين وافصح عن ذلك الكثير من القيادات الكردية عندما قالوا ان زمن الانصياع لمصالح الآخرين ووعودهم قد ولى إلى غير رجعة. لكنهم يخافون الآن من ألا تكون واشنطن جادة في موضوع تغيير النظام او ان المشكلة بين واشنطن والرئيس العراقي ربما تنتهي بصفقة مقايضة المصالح وبالتالي تعرضهم لبطش الحكومة المركزية كما جرى سابقا. وهو ما جعل الأكراد مترددين في إبداء الموقف النهائي حيال العمليات المرتقبة. وإذا أدت العمليات إلى تغيير النظام فإن الخوف كبير لدى الاكراد من قيام تركيا بالتوغل وهو ما يعني البقاء في شمال العراق كما فعلت تركيا ذلك في قبرص من قبل.

هذه المخاوف طرحت مرارا في الاجتماعات بين زعماء الاكراد والمسئولين الاميركيين المعنيين في الأشهر الأخيرة إذ طلب الاكراد ضمانات من واشنطن بأمرين الاول: جدية هدف اسقاط النظام العراقي والثاني: منع تركيا من استغلال ظروف الحرب لاجتياح الشمال، لكن ثمة خطوات شهدتها الساحة الكردية بدءا من اجتماع طال انتظاره بين الزعيمين الكرديين ومن ثم عودة البرلمان الكردي إلى الالتئام بعد انقسامه إلى برلمانين في العام 1996 وما تم الاتفاق عليه من إجراء انتخابات. كل هذه الخطوات تشير إلى حصول الأكراد على ضمانات بجدية العمليات وهدفها وبالتالي فإنهم بادروا إلى وضع خلافاتهم العميقة جانبا والاستعداد لحملة ربما تكون مصيرية بالنسبة إليهم

العدد 35 - الخميس 10 أكتوبر 2002م الموافق 03 شعبان 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً