العدد 4879 - الجمعة 15 يناير 2016م الموافق 05 ربيع الثاني 1437هـ

«الوسط» تحاور الروائيّ التونسيّ شكري المبخوت

فاز بالبوكر الأدبيّة عن روايته «الطلياني»

الروائي التونسي شكري المبخوت
الروائي التونسي شكري المبخوت

المنامة - سليم مصطفى بودبوس 

تحديث: 12 مايو 2017

«حالم لا يمكن ترويضه»، يراوح في كتاباته بين «الانضباط» العلمي و»الجنوح» الفني؛ إذْ تشهد له العديد من إصدراته في النقد الأدبي بالدقة العلميّة والانضباط المنهجيّ، كيف لا وهو الحاصل على دكتوراه الدولة في الآداب، تغذّيها كتبه المتنوّعة في النقد الأدبيّ مثل «سيرة الغائب، وسيرة الآتي» وكتاب «جمالية الألفة: النص ومتقبّله في التراث النقدي» وأيضاً «نظرية الأعمال اللغوية»، فضلا عن دروسه الأكاديمية في الجامعة التونسية. وتشهد له روايته (الطلياني) بـ «الجنوح» نحو عوالم الإبداع الروائي والحريّة في التعبيرحتى حصل على أرقى جائزة عالمية تكرم الرواية العربية (البوكر)، وهو فوز أثار جدلا حول الجائزة والرواية الفائزة، وصل إلى حدّ منع توزيعها في بعض الدول العربية، لكن كان لها الفضل في أن تلفت انتباه القارئ في المشرق العربي أكثر فأكثر إلى الفائز بها وهو شكري المبخوت الذي كان لنا معه اللقاء الآتي:

نهنّئك بحصول روايتك الأولى (الطلياني) على جائزة البوكر، وهي باكورة أعمالك بعد عقود من التدريس والبحث والنقد؛ فكيف بدأ التفكير في كتابة رواية الطلياني؟ وما هي المراحل الجينية إن صحّت العبارة لتكون هذا المشروع؟ وكيف يعيش المبدع، وهو في الأصل ناقد، هذه الحالة الإبداعيّة؟

ربما تكون لحظات الإبداع، جينيّا كما قلت، خمائر مضمرة، ولا نعرف ما هي العمليّة الكيمياوية التي تخلق هذه الحالة، ولكن الثابت أنّ ثمّة نداء من أقاص ما لا نتحكم فيها بالضرورة هي التي تدفع إلى هذه الكتابة، خصوصا وأنّ الرواية، باعتبارها بناء لعالم تخييلي يتطلب الكثير من الصرامة والصبر، لم تكن باعتبارها جنسا مخصوصا منفصلة عن اهتماماتي بالبحث؛ لأن البحث بناء، لكنه بناء لعالم من المفاهيم نتوسل إليه بالمصطلحات وبأدوات مخصوصة. في حين أن الرواية هي كون نتوسّل إليها بأدوات أخرى، هي أقرب إلى الاستعارة والكناية والرمز لنبني أيضا شيئا متماسكا. كما ترى توجد ربما في تلك الصرامة التي يفرضها عليك البحث بعض ما تتطلبه الرواية، التي ليست بالضرورة تدفقا نترك العنان للقلم أو للوحة المفاتيح في الحاسوب. ولكنها أيضا بناء يحتاج إلى كثير من الصرامة من حيث إيجاد ملامح الشخصيات والعلاقات المتضادة أو المتآزرة أحيانا، المتضامنة لنخلق شيئا نبث فيه الحياة.

لكن الدوافع الحقيقية المباشرة هي وجود حيرة، والرواية لا تنبني إلآّ على حيرة، وهذه الحيرة مأتاها عندي هو ما عشناه بعد الثورة من زخم من الأحداث المتتابعة المتلاحقة بشكل فوضويّ يجعلنا نبحث عن معناها، عن المعنى الكامن وراءها فالروائي يغوص في الأعماق ليكتشف التيارات العميقة التي تعتمل وراء الأمواج أو وراء السكون البادي على السطح. بالنسبة إليّ كنت أحاول الكشف عن منطق هذه الموجات المتتالية من الأحداث والأفكار والغزارة في التصورات المتناقضة التي عاشتها تونس. وكنا نخال أن حياتنا في تونس قد استقرت على نمط ما في الاجتماع البشري، وفي التفكير، وفي الاختيارات التي نسميها حداثية، فإذا بهذه الثورة تكشف أننا لسنا كما توهمنا. من هنا جاءت الحيرة وبدأ التساؤل: لماذا أخفق حاملو قيم الحرية والكرامة وكل الشعارات التي نادت بها الثورة، لماذا أخفقوا في أن يصوغوا التعاقد الاجتماعي والسياسي وفق هذه المبادئ؟ فظهر هؤلاء الذين كنا نعتقد أن حركة التاريخ قد طوتهم إلى الأبد، أو طوت على الأقل أفكارهم الرجعية الخارجة من بطون الكتب الصفراء. والرواية تطرح هذا السؤال، تطرح هذه الحيرة وتحاول أن تبرز جوانب من فكروقيم وحيوات هؤلاء الفاعلين الذين حملوا ولو في الخطاب شعارات الثورة. ولم أتناول مباشرة هذه الفترة ولكن عدت إلى فترة شبيهة بها في تاريخنا القريب المعاصر وهي فترة الانتقال من حكم الزعيم بورقيبة إلى حكم ابن علي. هذه تقريبا الدوافع الأساسية التي جعلتني أنتقل من البحث في المفاهيم والمتون العلمية إلى بناء أسئلة عن واقعنا التونسيّ عن شخصيتنا التونسية عن قضايانا، عن حيرتنا وترددنا، وإخفاقاتنا أيضا في بلوغ ما نصبو إليه والذي يرسمه أفق الحرية للإنسان التونسي.

في الطلياني إدانة للسلطة، وإدانة للإيديولوجيا ودعاتها، وإدانة للقيم الاجتماعية وخاصة حرّاسها من المثقفين والعامّة؛ ألا ترى في ذلك قسوة على المثقف الذي أنت هو؟ وعلى الإيديولوجيا التي لا يمكن أن تتفصّى عنها؟ وعلى السلطة التي هي الوجه الآخر لتقوقع المثقفين وحياديّتهم في العقد الأخير من القرن الماضي والعقد الأول من هذا القرن؟

القسوة الإدانة... كل هذه الكلمات لا أرفضها، ولكن الأهم منها أن ما يحيط بنا هو على قدر من القسوة أكبر مما ذكرت وأوسع مدى؛ لذلك ماذا يبقى للمثقف أو للروائي او للكاتب حين يجد عنفا رمزيا، وعنفا اجتماعيا، وعنفا سياسيا، غير أن يسمي الأشياء بأسمائها فترى أنت باعتبارك قارئا أن هذا إدانة. ما يهمني هو أن أكتب ملتزما بقيم أخلاقية كبرى، وبمبادئ كبرى لأني أعتبر أن الالتزام شرط من شروط العمل الفني. ما ألتزم به هو الحرية، بقطع النظر عن الإيديولوجيات من اليمين واليسار لأن هذه الإيديولوجيات إذا لم تكن تساهم في توسيع مدى الحرية وفي الدفاع عن الحريات الفردية فإنّها لأي شيء تصلح؟ السلطة أيضا، إذا لم تكن بمعنى ما صياغة لشروط عامة لتحقيق الحرية فلأي شيء تصلح؟ بهذا المعنى أقبل ما جاء في سؤالك، ولكني أقبله بطريقتي أنا؛ فأنت ترى أن ما قلته في الرواية شيء يسير مما ينبغي أن يقال، وما اعتبرتَه إدانة أتحمّل مسؤوليتي فيه لأن البذاءة التي نعيشها وهذا المساس بكرامة الإنسان وهذه القسوة التي يلاقيها الفرد في مجتمعاتنا بسبب السياسيين والفاعلين الإيديولوجيين وبسبب التقاليد والعادات و»الأخلاق الحميدة» وغير ذلك لا يمكن إلا أن ندينها؛ لأننا ندافع عن شيء قد يكون مبهما وهو الحرية. ولكن هذا الشيء المبهم الملتبس نشعر به جميعا لأننا ولدنا أحرارا ونريد أن نكون أحرارا في حياتنا وفي مآلاتنا الفردية والجماعية.

صرّحت أنّك لا تطمح إلى شيء سوى أن» تكتب حكايتنا التونسية، أوجاعنا، آمالنا، مفارقاتنا، تناقضاتنا...» وأكّدت أنّك تريد لعب دور المثقف النقدي المدافع عن الحريّة الفرديّة وعن القيم الإنسانيّة الكبرى. فهل تتفضّل بتوضيح ذلك؟

كلمة مثقف حمالة أوجه،. لا أنفي هذه الكلمة، وماذا يبقى من المثقف إذا نزعنا منه الجانب النقديّ؟ حتى وإن كان نقدا قابلا للنقض وللنقاش فإنّه سيكون خبيرا، والخبير يقدم ذكاءه لحل مشكلات معينة. في حين أن المثقف علاوة على هذا الجانب النقدي لا يطلب سلطة، ولا يطلب مصلحة، ولا يطلب منفعة شخصيّة. إذا كان المثقف في تقديري على هذه الصورة فهو بطبيعة الحال سيكون نقديّا بل يكون نقده جذريّا بالضرورة؛ فتفكيك آليات الاستبداد ليس تفكيكا سياسيا فقط ولكن الاستبداد يبرز في أشكال أخرى: يبرز في هذه الأجساد المقهورة، في هذه اللغة الخشبية التي نجبر على أن نتكلمها، يبرز في هذا الخيال المحدود لضيق الآفاق التي تفتحها مجتمعاتنا أمام الأفراد كي تبدع، وكي تنحت كيانها، وينحت كل فرد كيانه. هذا في تقديري ما يقوم به المثقف. ولا يقوم به بشكل مطلق، حتى لا نخرج من إطلاق إلى إطلاق آخر، ولكن يقوم به بشكل ظرفيّ مُحيَّن متجدِّد باستمرار، كلما تغيرت الظروف وتبدّلت الأحوال.

هل يمكن أن نعتبر هذه الرواية منعرجا في التجربة الروائية التونسية؟ وماذا عن الجزء الثاني منها الذي كنت قد بشّرت بصدوره في تصريح سابق؟

الجزء الأول من السؤال متروك للنقاد؛ فلا أعرف إن كانت (الطلياني) منعرجا للرواية التونسية. ما أعرفه أن الكثيرين استقبلوا هذه الرواية بعد فوزها بالبوكر الجائزة العالمية للرواية العربية على أنها « اعتراف بالأدب التونسي في مستوى عربي، أمّا موقع الرواية داخل المتن السردي والمتن الروائي التونسي فهذا أمر على النقاد أن يحددوه. أعرف أن بعض الروائيين التونسيين نقدوا هذه الرواية، واعتبروها عودة إلى الكتابة الكلاسيكية والواقعية التي يعتقد أن الرواية التونسية قد تجاوزتها، وهذا النقد مكتوب لا يزعجني هو رأي يناقش جماليا وأدبيا، ولكن بعد أن تهدأ الأمور أكثر، وتتاح المناسبة للحكم على العمل والتعمق في قضايا الأسئلة الجمالية التي تطرحها .

صحيح أن الاتجاه الذي يبدو حداثيا في الرواية العربية مال إلى شيء من التجريد بتفاوت ولست على الأقل جهلا بتحولات الرواية العربية وتطوراتها حتى أقرر العودة إلى ما سمي بالرواية الواقعية أوالكلاسيكية . أستطيع أن أناقش وأدافع وأبين أنها ليست كلاسيكية. ولكن ليكن هذا للآخرين؛ فأنا لا أريد أن أستغل صفتي كوني ملما ببعض النقد، ومجربا للأدب كي أكون الصوت والصدى، فعلى النقاد أن ينظروا فيما يرونه في هذا العمل فقد خرج مني وأصبح ملكا للناس ومنذ مدة أفكر في أشياء أخرى غيره. أمّا بالنسبة إلى الجزء الثاني من الرواية فهو جاهز فقط ينتظر الوقت المناسب لإصداره.

بقي المشرق العربي إلى زمن قريب منشدا إلى تجربة الشابي الإبداعية ولا يكاد يعرف غيرها من التجارب: فهل ستكون (الطلياني) فرصة لإعادة التفكير في التجربة الإبداعية التونسية لدى النقاد والمثقفين العرب في المشرق؟

كل التجارب العربية جديرة بأن نتعرف عليها، خصوصا فيما كان يعتبر هوامش الرواية العربية. وهوامش الرواية العربية ليست تونس والجزائر والمغرب أوليبيا؛ ففي كل هذه البلدان هناك كتاب كبار. ومشكلة الانتشار مشكلة نسبية؛ لأن العوامل فيها ليست نوعية المنجز النصّي، ولكن هو أمر يختلط فيه ما هو إعلامي بما هو مرتبط بصناعة الكتاب وتوزيعه ووصوله إلى الأسواق المختلفة ثمّ إلى القارئ ووجود منظومة إعلامية تحتضن الأثر وتعرّف به ..إلخ. شخصيا، أجد في كتابات كثيرة في بلدان لا نعرف عنها الشيء الكثير مثل إيريتريا؛ فهناك كتاب إيريتيريون يكتبون سردية إيريتريا بشكل جميل وقابل للتفاعل، وكذلك الرواية السعودية التي كانت منذ عقدين تعتبر من الهامش، ولكن اليوم أصبحت تحظى بهامش من الانتشار. و في اعتقادي أن الرواية العربية، في مختلف هذه الأقطار، إنما هي روافد لهذا النهر الكبير الذي نسمّيه الرواية العربيّة. المهم أن القارئ وخصوصا في الخليج أصبح يهتم بالفن الروائي، بل إنّ الذوق الخليجي أصبح «يلهم» الكتاب - وهذا ليس حكما سلبيا ولا إيجابيا- نمطا ما في الكتابة الروائية، وأسلوبا ما في التعامل مع الرواية؛ لأن شهادات الناشرين تكاد تجمع على أن القراء من حيث العدد يتكاثرون في الخليج العربي، وهذا يتطلب دراسات لتأكيده أو تعديله، ودراسات لسوسيولوجية القراءة، ودراسات لأذواق القراء وعلاق ذلك بما يكتب.

ما يزعجني أيضا أنّ الكتاب التونسيين كثيرا ما يشتكون من قلة اعتراف القراء العرب بهم. وأظن أن الأمر لا يخلو من بعض المبالغة؛ إذْ لا ننسى أن الحبيب السالمي وصل مرتين للقائمة القصيرة (للبوكر)، يعني أنه فاز بشكل أو بآخر. كذلك حسين الواد... فكلما سنحت الفرصة للكتاب التونسيين، عن طريق الناشرين باعتبار أن البوكر لا ترشح لها نفسك وإنما يتقدم إليها الناشرون، إذن كلما سنحت الفرصة كي تشارك أعمالهم في جوائز ذات بعد عربي، فإن النتيجة تكون حاصلة في طبيعتها. وهذا يساهم في نشر الأدب التونسي إذ لا ننسى أن كتابا عديدين في القصة القصيرة وفي أدب الطفل قد حصلوا على جوائز عربية. والمسألة لا أعتقد أنه ينبغي النظر إليها من زاوية قطرية، بل من ناحية قدرة هذا الأدب أو ذاك على أن ينافس ويفرض وجوده في سوق كبيرة هي سوق الأدب العربية، أسوق هذا مع الحذر من أمر آخر هو التشكيك في ما كان يعتبر مراكز قديمة في الرواية؛ إذ أسمع كلاما كثيرا من بعض الكتاب في التهجم على الرواية المصرية، في حين أن مصر قدمت الكثير للرواية العربية. وهنا ليس الكلام من منطق وطني، وإنما من منطق الدفاع عن الأدب الجميل مهما كان مأتاه. وينبغي أن نعترف أن القفزات الكبرى للرواية شارك فيها بجد وعمق كتاب مصريون كثيرون كذلك كتاب لبنانيون ومن العراق...فهذه هي الرواية العربية ربما مزتها في هذا التنوع وفي ضرورة أن يفرض أدب كل قطر نفسه بجودة عمله، وهذه الجودة - علاوة على الجوانب الفنية والجمالية التي يجب أن تتوفر فيه - تنبني أيضا على تلك النكهة الخاصة التي يضفيها الكاتب انطلاقا من خصوصية القطر ومن خصوصية البيئة التي نشأ فيها.

لعلّها موجة قديمة متجدّدة حين يتجرّد الناقد من قلمه كناقد مفكك للخطاب الأدبي ويستلّ قلم المبدع، رأينا ذلك خاصة في تونس مؤخرا مع حسين الواد في روايته روائح المدينة ثمّ مع شكري المبخوت في الطلياني: فما تأثير هذه المعرفة النقدية في الكتابة الإبداعية؟

أود أن أشير إليك بأمر، وهو أن عديد الروائيين التونسيين هم أكاديميون؛ فإذا قمنا بإحصاء وتتبع الأقلام التي تكتب الرواية في تونس سنجد أنّ الكثير منها هم نقاد وأكاديميون كتبوا الرواية. وفي هذا السياق يتنزل سؤالك عن أثر هذه المعرفة النقدية في هذه الكتابة الروائية.

تُكتب الرواية بخبرة وتجربة ومعرفة؛ فلا توجد رواية تكتب بإلهام أي تستند إلى إلهام ميتافيزيقي، ذلك أنّ الرواية تكتب بمعرفة لأنها تقدم معرفة أيضا: هذه المعرفة قد تكون في الجانب لغوي، الاجتماعي، التاريخي.. إلخ. ولا أفهم لِمَ توضع المعرفة النقدية كشرط ينبغي أن لا يتوفّر لكي نكتب رواية جيّدة، في حين أنّ النقد يساعد على الوعي بالكتابة. ولكن المعرفة بالنقد الأدبي وخصائص الرواية لا تفضي بالضرورة إلى كتابة رواية؛ فثمة معادلة صعبة حلّها الأمريكان هذه المعادلة بين هذه العفوية التي نسميها قدرات روائية أو كفاءة على التخيل وبين الكفاءة التقنية في الكتابة. ولا أظن أن الأمر فيه تناقض بسبب بسيط أن تقنيات الكتابة يمكن أن نتعلمها؛ إذْ ترى في كل البلدان ورشات في الكتابة سواء في السيناريو أو في الرواية، بل حتى الشعر يمكن أن يُتَعلم في ورشات كتابة، وإنْ كان ذلك لا ينجح كثيرا مع الشعر، ولكن هذا الجانب التقني مهم لبلورة ما يكون لدى الروائي من أفكار ومشاهد وصور ومن تطور درامي يريد أن يقدمه. ومن هنا أدعو إلى تجاوز مثل هذا الإشكال؛ لأن الكاتب كما قلت في البداية، يكتب بخبرة عامة ومتنوعة. وبالنسبة إلى الأكاديمي الذي جرّب شيئا من النقد الأدبي وتكونت لديه معرفة نقدية قد لا يعرف كيف تتسرب إلى نصه ولا كيف يوظفها في نصه، مثلما لا نعرف كيف يوظف خبرته بنفسيات البشر للحديث عن نفسيات الشخصيات، لكن الخطر الحقيقي في رأيي وما يمكن أن يجعل تجربة الكتابة الأدبية لدى الأكاديمي تخفق هي المبالغة في كتابة ما يسمى بكتابة رواية الرواية أو اختبار مقولات معينة لصياغة النص الروائي وهذه موجودة في الغرب وكذلك عند بعض الروائيين-النقاد العرب. لكن أنا لا تستهويني شخصيّا فهي مسألة ذوقية وليست حكما مطلقا.

الجوائز الأدبية وسؤال التنمية الثقافية: ما الشروط الضرورية لتكون الجائزة الأدبية ضامنة للتنمية الثقافية؟ وما المشروع الثقافي الذي يجب أن يتبناه العرب اليوم لمواجهة خطر الإرهاب؟

ينبغي الخروج في الحديث عن الجوائز من دائرة السؤال عمّن هو الأجدر، وعن القيمة المالية للجوائز، وعن نزاهة هذه اللجنة من عدمها؟ وعن تلك النزعات القطرية الضيّقة التي تجعل كاتبا إذا حصل على هذه الجائزة أو تلك إنّما هو قد أعلى بذلك الفوز ثقافة أو أدب بلد من البلدان العربية.

أعتقد أن المسالة التي ينبغي أن تطرح هو وظيفة هذه الجوائز داخل ما يسمى الجهاز الأدبي، والجهاز الأدبي مسألة معقدة جدا عكس ما نتوهم، أو على الأقل عكس ما ترشح به الكتابات حول الجوائز الأدبية؛ فالجوائز الأدبية ترتبط بنمط إنتاج الكتاب ونمط توزيعه وهذا الأساسي؛ فليست مسألة فرديات أو صناعة نجوم أدبية فقط. قد تكون مهمة، ولكن الأساسي هو تطوير صناعة الكتاب ونشره وتطوير القراءة وعادات القراءة باعتبارها منطلقا لمؤسسة الأدب ككل التي فيها جانب يتصل بالإعلام الثقافي، وآخر يتصل بالنقد الأكاديمي، والنقد الصحفي، والنقد الثقافي العامّ. ترتبط أيضا بالرقابة التي قد تكون لأسباب سياسية أو إيديولوجية أو أخلاقية. كما ترتبط بمنظومة معارض الكتب بالجامعات وأقسام تدريس الأدب، وترتبط بالمكتبات العامة والخاصة وكذلك بالمدارس النقدية والنوادي الأدبية... فعالم الكتاب أو مؤسسة الكتاب شبكة معقدة. والجوائز ليست إلا مكونا من مكوناتها، وهومكون لا أستنقص منه لكن ينبغي أن يوضع في محلّه الحقيقي من نمط إنتاج الكتاب وتوزيعه. فليس الرهان الحقيقي قائما على حصول هذا الكاتب أو ذاك على الجائزة - وهو أمر مهم في الاعتراف الأدبي بالكاتب - ولكن يرتبط أكثر بتطوير الثقافة وتنمية القراءة وخلق هذه العادات وترسيخها لدى الناشئة ومختلف أصناف القراء. هذا الرهان فإذا وصلنا إلى هذا الأمر وجدنا عدة جوانب تتداعى وتترابط من بينها مسألة التعليم، وموقع الأدب داخل المؤسسة التعليمية، ودور التعليم في تطوير كفاءة القراءة وغرس المطالعة حتى نخرج من التباكي على ضعف مؤشرات الترجمة وضعف معدلات القراءة وكل ما يتصل بالكتابة عندنا. هذا جانب والجانب الثاني هو أن تكون هذه الجوائز - ومثل بقية الجوانب التي تحدثت عنها- جزءا من مشروع ثقافي. ما معنى هذا المشروع الثقافي؟ ينبغي أن نتساءل ما هي القيم التي تدافع عنها هذه الجائزة أو تلك؟ فعلى سبيل المثال بعض الجوائز لا تخفي توجهها الجمالي والإيديولوجي مثل جائزة (البابطين) التي هي مخصصة لضرب من الكتابة الكلاسيكية المجددة العمودية التي تواجه ما بدا انتصارا للكتابة الشعرية الحديثة في العالم العربي التي خرجت عن عمود الشعر، وعن الكتابة الكلاسيكية الموروثة بذاكرتها المثقلة بالتكرار، وبصيغ جمالية أعتقد أن الوقت قد حان لتجاوزها. عدا بعض الجوائز التي لا تخفي موقفها الإيديولوجي، فإن الجوائز الأخرى التي تدافع عن الجديد والتحديث وقيم التنوير قلما تصرح بذلك. فما هو مشروعنا الثقافي لهذا البلد أو ذاك؟ هنا مربط الفرس أو بيت القصيد: هل نريد أن نكرّس ثقافة الاجترار القديمة الكلاسيكية ونترك هذا النمط من الإنتاج الثقافي أوذاك يسيطر بشكل يكرس السائد ويفقد الأدب الحديث قدرته على خلخلة السائد من المنظومات القيمية والأخلاقية والإيديولوجية؟ أم نريد أدبا يعبر عن هذا الفكر التنويري التحديثي لتجاوز ما هو قائم، ويكرس الأدب في معناه الحديث باعتباره ممارسة «سلبيّة» تنقد الموجود وتسعى إلى تجاوز السائد. فغياب رؤية ثقافية يجعل من هذه الجوائز تنسى جزءا من وظائفها التطورية والتنموية لتصبح الاهتمامات ضيقة جدا: من فاز؟ وما القيمة المالية للجائزة؟

يلاحظ اليوم أن العديد من الكتاب قد ركبوا على موجة الإرهاب حتى تهاطلت القصص والروايات والمجموعات الشعرية في هذا الغرض فما تقييمك لما اطلعت عليه من هذه الأعمال؟ وما دور المثقف في مواجهة خطر الإرهاب باسم الدين؟

ج- ليست كل الأعمال التي كتبت، رغم أن الموضوع مازال طازجا وويتطلب شيئا من التأمّل؛ فالرواية أيضا فيها بعد تأملي باعتبارها محاولة للفهم وتحتاج دوما إلى مسافة. لكن لا ننسى أن (القوس والفراشة) لمحمد الأشعري تتناول هذا الموضوع، وهي من الروايات الحاصلة على جائزة البوكر. صحيح أن فكرة الكتابة في المواضيع الحارقة مغرية وقد تجذب القراء وتثير الفضول، ولكن إذا تناول هذه المسائل كاتب حاذق ملمّ بأدواته الفنية فمن الممكن أن تقدم فهما أفضل لظاهرة الإرهاب مثلا. ولعلّ مراكمة الأعمال هو ما يفرز الكتابة النوعية فالعالم ينتج في السنة الآلاف المؤلفة من الأعمال الأدبية لكن ماذا يبقى منها ؟ نحن كأننا لقلة إنتاجنا نطلب من كل رواية أن تكون حدثا. ففي فرنسا تنشر أكثر من 500 رواية سنويا، رغم أنّ نشر الرواية في فرنسا ليس بالأمر السهل؛ إذ لا أدري كم من مخطوط يصل إلى دور النشر. ولكن أنا متأكد أن مخطوطات كثيرة لا تنشر أو تجد صعوبة. لكن ما الروايات التي تشتهر؟ ما الروايات التي تبقى؟ الخلاصة: مهما كان الموضوع، الإرهاب أو غيره، فإن الكتابات كلّما تكاثرت لا بد لها أن تفرز لا محالة بعض الأعمال التي قد تصبح علامات في تناول تلك القضية أو تلك.

تميزت العلاقة الثقافية التونسية البحرينية منذ عقود بالاستمراريّة والتواصل فهل تقترحون بوصفك مثقفا وجوها أخرى للتبادل الثقافي والتعاون المشترك في هذا المجال؟

أولا ينبغي أن نقول أن الثقافة التونسية أو البحرينية هما جزء من الثقافة العربية، ونعرف كتابا وشعراء بحرينيين فرضوا أنفسهم في الساحة العربية. إذ لا يمكن الحديث عن الشعر العربي اليوم بدون ذكر قاسم حداد أو إبراهيم العريض والهاشمي العلوي على ما بينهم من اختلاف في التجربة الجمالية. كما لا تنس أن الكاتبة البحرينية ...حصلت على جائزة كاتارا، وهذا يلفت الانتباه إلى ما يكتب من تجارب سردية في البحرين. لا أعرف ماذا يعرف البحرينيون عن الفن التونسي، لكن المهم أنّ هناك قلة المعرفة وضعفا في الصلة بين المنتوج الثقافي هنا وهناك. عندما نتحدث عن العلاقات الثقافية بين بلدين فهناك جانبان: جانب رسمي من قبل الهياكل الثقافية سواء في هيئة الثقافة هنا في البحرين أو وزارة الثقافة في تونس. وهناك جانب العلاقات بين المجتمعين المدنيين في تونس والبحرين. فتنويع قنوات التواصل الرسمية والأهلية ضروري. وأنا أعرف أن عددا محترما من التونسيين شارك في أنشطة مركز الشيخ إبراهيم وهذا مهم، لكن سيظل غير كاف لتنوع الانتاج وتنوع إمكانات التعرف قبل الحديث عن الاعتراف بهذا المنتوج أو ذاك. إنّ الكثرة - كثرة الأنشطة للتونسيين في البحرين وكثرة الأنشطة للبحرينيين في تونس- هو الذي يُـيَسِّر التعارف .

في الختام هل تتفضّل بكلمة للمبدع البحرينيّ؟

ما أحلم به هو أن يكون المبدع في تونس والمبدع في البحرين يشتغلان على هذا التنوع وهذا العمق الحضاري والتاريخي في البلدين؛ فلا ننسى أن البحرين تتميز بخمسة آلاف سنة حضارة فهل كتب البحرينيون قصتهم وسرديتهم هذه. كذلك تونس بحكم موقعها مرت بها حضارات عديدة والشخصية التونسية اليوم تمثل خلاصة تلك الفسيفساء. ولكن هل كتبنا نحن التونسيون سرديتنا؟ لقد زرت بعض المواقع في البحرين فوجدتها روايات تنتظر من يكتبها. يكفي أن أقول مثلا إن في البحرين معبدا هندوسيا لنتصوّر جزءا من ثراء هذه الدولة الجزيرية في تلاقح الناس والثقافات وفي الربط بين حضارات وبشر وأناس ومصائر وما وراءها أيضا من جوانب درامية مهمّة يمكن للمبدع أن يعيد ترتيبها. وهكذا الأمر في تونس ... أي شيء في هذين البلدين يمكن أن نكتبه. واعتقادي أن تونس يمكن أن يعرفها العالم من خلال الإبداع الروائي أكثر من الزيارات الرسمية، كما أن العرب يمكن أن يعرفوا هذه الحكايات التي تكشف هذا التنوع وهذا الرصيد الرمزي والحضاري والثقافي وهذا الامتزاج والتداخل في المجتمع البحريني من خلال الرواية.

أعتقد أنّ ما على المبدعين أن ينجزوه كثير وكثير، والأفكار كما قال الجاحظ ملقاة على قارعة الطريق، تنتظر من يحسن التقاطها، ويجود النظر فيها عسى أن نقول شيئا عن الإنسان البحريني كيف تشكلت شخصيته وكذلك الإنسان التونسي كيف تشكلت هويته عبر هذه الطبقات الثقافية.





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً