العدد 4770 - الإثنين 28 سبتمبر 2015م الموافق 14 ذي الحجة 1436هـ

رحلة إلى عالم المصرفيين... من الهَرم إلى القاع وأزمة 2008

«السباحة مع أسماك القرش» ليوريس لونديك...

غلاف «السباحة مع أسماك القرش» - غلاف «بشر مثلنا»
غلاف «السباحة مع أسماك القرش» - غلاف «بشر مثلنا»

يتيح الكاتب والصحافي الهولندي يوريس لونديك، الذي أمضى ثلاث سنوات في مقابلات مع عدد من المصرفيين، في كتابه الجديد «السباحة مع أسماك القرش: رحلتي إلى عالم المصرفيين»، من خلال 200 مقابلة مع مسئولين من الصف الأول في ذلك القطاع، ممن يرسمون سياساته، ويتولون تطبيق استراتيجياته، أو أولئك الذين هم في الدرجات المتوسطة من ذلك السلَّم في القطاع، وأيضاً مع القابعين في المكاتب الخلفية، يتيح معرفة ظلت ناقصة عن هذا العالم الذي يتحكم في معظم اقتصادات العالم. المعرفة خارج التشكيل والأداء الظاهر. إنه تقصٍ لذلك العالم من قمة الهرم إلى القاع، عروجاً إلى الأزمة المالية التي ضربت العالم في العام 2008، وما صاحبها من انهيار مؤسسات عملاقة، كانت تهيمن على المشهد الاقتصادي والمالي العالمي.

إنه اشتغال على عالم الداخل، بتفاصيله الرئيسة. كيف يتم اقتناص الفرص وصناعة الاستثمار. ثمة تناول لأخلاقيات المهنة أيضاً. وهي أخلاقيات ليست مثالية بالضرورة. إنها على تماشٍ وانسجام مع ذلك العالم الذي لا يمكنه أن ينكر الوحشية التي تسمه. وحشية الطمع والعمل على تراكم الثروات بشكل جنوني في سرعته.

لا ينفصل كتاب لونديك الحالي عن كتابه الذي حقق به شهرة واسعة، وكان على قائمة أكثر الكتب مبيعاً «بشر مثلنا... تحريف الحقائق في الشرق الأوسط». فالكتاب يشتغل على ما بعد الصورة القارّة في المخيلة عن عالم المصارف. القارّة ببساطتها وسطحيتها هذه المرة. لا صورة قارّة بعمقها وحقيقتها لدى شرائح كبيرة من مجتمعات العالم طبعاً. هو يحاول أن يقدِّم جانباً منها.

«بشر مثلنا» حصيلة شعوره وتلمُّسه لوجود خلل في الفهم الأوروبي لهذا الجزء من العالم, سعى فيه إلى أن يقدم فهماً آخر للمنطقة العربية، وثقافتها وأنظمتها، بعيداً عن النمطية التي هيمنت على العالم الغربي خصوصاً، راصداً الفترة ما بين 1998 و 2003، في حال من استقصاء الأنظمة العربية الاستبدادية، والنظرة النمطية من قبل الغرب للمنطقة. في الكتاب أيضاً تعرُّض لصناعة الخبر، وكيفية صنعه، والعوامل المؤثرة في صناعته، متخذاً من العالم العربي نموذجاً في تلك الصناعة.

المدينة العالمية

في «السباحة مع أسماك القرش: رحلتي إلى عالم المصرفيين»، يتناول المدينة العالمية التي يعمل فيها البشر لساعات طويلة، كي يعودوا أدراجهم إلى منازلهم وقد تحصَّلوا على ما يعادل أكثر من 20 في المئة مما يتقاضاه أقرانهم، مقابل أقلية تتربَّع على عرش ثروات تصل إلى الملايين ممن يعملون في قمة ذلك الهرم. الكتاب يقترب في صورته ومنهجه من العمل الأنثروبولوجي بالاستنتاج الذي يخرج به من الاشتغال الميداني.

كانت خطته السماح للمصرفيين بالتحدث عن أنفسهم، وعلى مدى ثلاث سنوات، نشر 200 مقابلة على الانترنت. وهذا الكتاب هو نوع من حاشية للمشروع.

نيكولاس بلينكوي، من صحيفة «التلغراف»، كتب مراجعة لكتاب لونديك يوم الجمعة (25 سبتمبر/أيلول 2015)، نورد أهم ما جاء فيها، إلى جانب شهادة تتناول الكتاب للموقع الشهير «أمازون»، وإضاءة تتناول جانباً من سيرة لونديك، وبعض إصداراته مع إضاءة لبعضها.

يمكن لمدينة لندن أن تثير شعوراً غريباً، مكان غريب ربما حتى بالنسبة إلى 300 ألف شخص يعملون في الصناعة المالية. في عطلة نهاية الأسبوع، تبدو مدينة أشباح؛ فيما هي خلال أيام الأسبوع تبدو بكل حضورها وصخبها بالناس الذين يرتدون أفضل ما لديهم... يتحدَّثون، أو يسلك كل منهم طريقه ِوفْق مراميه.

كشْفُ الفوارق

لونديك أمضى ثلاث سنوات في مقابلات مع مصرفيين، بهدف الوقوف على عالمهم الحقيقي وتوضيحه لنا. سعى في كتابه - حصيلة المقابلات - إلى الوقوف ومواجهة عالم لا يمكن تخيُّله؛ علاوة على أن لونديك لا معرفة لديه عن المملكة المتحدة عند وصوله. وجد مدينة أكبر من باريس وبرلين ومدريد.

ولكن حتى مع المد العالمي الذي تتصف به، وقف على المدينة اختزالاً لمكان يعمل فيه أناس لساعات طويلة كي يعودوا إلى منازلهم بنحو 20 في المئة أكثر مما يتقاضاه أقرانهم، مقابل أقلية كبيرة (هي على رأس هرم تلك المؤسسات أو ما دونه قليلاً)، تتلقى الملايين في صورة أجور وعلاوات وحوافز. كانت خطته أن يترك للمصرفيين حرية التحدث عن أنفسهم، وعلى مدى ثلاث سنوات، نشر 200 مقابلة على الانترنت. وهذا الكتاب هو نوع من حاشية للمشروع، مثل استنتاج عالم أنثروبولوجيا في عمله الميداني.

يتضمَّن القطاع المالي، صناديق التحوُّط ومديري الأصول الأخرى؛ فضلاً عن الشركات الثانوية مثل وكالات التصنيف الثلاث (المؤسسات الأميركية الثلاث: فيتش، موديز وستاندر أند بورز، والتي تهيمن على سوق التصنيف العالمي) وشركات المحاسبة الأربع الكبرى في العالم (ديلويت توش توهماتسو، برايس وترهاووس كوبرز، إرنست ويونغ، وكيه بي إم جي)، و»الدائرة السحرية» التي تمثلها الشركات القانونية الخمس الكبرى (ألان أند أوفري، كليمون شانس، نورتن روس، بوسطن كونسلتنج جروب، وإنفست أيه دي)؛ ولكن بشكل أساسي يتصل الاشتغال هنا على المصارف.

في العقدين الماضيين، تقلَّصت أعداد تلك المصارف والمؤسسات بشكل كبير، كما اشترى لاعبون دوليون مثل السماسرة والمصارف التجارية، كيانات كبرى. اليوم، عدد قليل من المصارف يهيمن على كل شيء بدءاً من الحسابات الشخصية للاستثمارات ذات المستوى العالي، وتدير تلك الثروات باعتبارها من الملَّاك، من أصحاب رؤوس الأموال والتجَّار، وذلك لمصلحة الزبائن والجهات المستثمرة على حد سواء، إضافة إلى الاستحواذ على الشركات العامة، مع الإشراف على كيفية إبقاء المعلومات الحسَّاسة جداً سرية.

بين الاختلاق والمؤامرة

بدأ انهيار سوق الأسهم في العام 2008 مع المنتجات غير المطابقة للمواصفات، والتهوُّر الذي تزامن مع عمليات التداول، وانتهى بإنقاذ الشركات المسئولة عن الانهيار، بالمال العام. أراد لونديك أن يستمع إلى المصرفيين وهم يدافعون عن أنفسهم، ولتوضيح خبايا أعمالهم، وإخبارنا عمَّا إذا كانت الحياة قد تغيَّرت نتيجة الانهيار. والآن بعد أن أنهى مشروعه، حان الوقت للحكم على عمله. يعتقد لونديك بأن المصارف لاتزال غير معافاة من الاختلال، لكن ليس بسبب أن المصرفيين يحاولون الاحتيال على الجمهور؛ فالأمر مُختلق أكثر منه مؤامرة، الأمر الذي لا يجعله أكثر مواساة. يتم تنظيم المصارف مثلما الهرم، مع مكتب أمامي في القمة، يتعامل مع الحسابات، ويوجد الاستثمارات، والتداول في حزم مالية مثل التزامات الدَّين سيئة السمعة، وحزم من القروض العقارية التي تتفاوت في ثباتها، تلك التي كانت في لب الانهيار الذي حدث في العام 2008. ثمة ما يُعرف بالمكتب الخلفي، ذلك الذي يرعى البنية التحتية، والبرمجيات، والموارد البشرية، والعلاقات العامة، وهنالك المكتب المتوسط، ذلك الذي يتولّى إدارة المخاطر، وهو المسئول عن تحديد الاتجاه، وضمان أن التجَّار يتصرفون بشكل قانوني وضمن مصالح البنك طويلة الأمد، كما يضم إدارات الخدمات المالية وتمثيل السيطرة على المعاملات في نظام تسجيلها.

التقى لونديك في المكاتب التي تحتل مواقع في هرم تلك المصارف، أناساً مدهشين من بينهم، أولئك الذين تتحدَّد وظيفتهم في وضع منتجات أكثر تعقيداً في مجال التمويل، وتصميم المنتجات المهيكلة، وتحديد قواعد الأجور وتوزيع التدفقات النقدية للصفقات؛ ومن مهامهم أيضاً بناء نماذج حاسوبية لمحاكاة قواعد الأجر من أجل أن نقف على الكيفية التي تؤثر فيها مدفوعات الضمان على سداد السندات، على سبيل المثال. كما التقى لونديك خبراء في مجال إدارة الاستثمار وتداول الأسهم، ممن وضعوا برامج للتسريع بعمليات التجارة، وكذلك المعنيين بالمجال الأكثر هيمنة في الكون من حيث تقليديته (المصطلح التقني، على ما يبدو)، والذي أثَّر بقوة: الهواتف، باحتضانه عمليات توجيه المسارات في قاعات التداول. ويخلص إلى أن هؤلاء الرجال (وقلة إلى حد ما) من النساء يعملون في مثل هذا المستوى العالي من الحماس والتعقيد الذي يجعلهم جميعاً في حال من الجموح لا يمكن السيطرة عليه.

الأهم من ذلك، لا أحد يحاول الإشراف على عملهم. مر زمن حين كانت إدارة المخاطر تدير المصارف. لقد كانوا من الملَّاك والشركاء الذين فقدوا أموالهم. اليوم، أصبحت المصارف العملاقة مملوكة من قبل المساهمين، وفقدت إدارة المخاطر كل حافز للسيطرة على التجَّار. في الواقع، يعتقد بعض المتعاملين بأن مكتب إدارة المخاطر موجود ببساطة، لحفظ الملفات التي يحتاج البنك أن تُوزَّع حين يطل الانهيار المقبل برأسه.

«أمازون»: قسوة وندِّية

من جانبه نوه موقع «أمازون» الشهير، بالجهد والمكانة التي يحظى بها لونديك في الأوساط الصحافية في بلاده وخارجها، فالرجل لديه الكثير من المعرفة عن المصارف. وقال، إن المناقشات التي خاضها والحوارات التي أدارها مع أشخاص في القطاع المصرفي، كانت قاسية واتسمت بنوع من الندية. تم تكليفه لإنجاز ملفات تحقيق عن القطاع المالي. مشيراً الموقع الشهير إلى أن يوريس انغمس في المدينة لبضع سنوات، متحدثاً إلى أكثر من 200 شخص من المصرفيين المتنافسين على الاستثمار، والنخبة من المديرين الذين تولوا إدارة صناديق التحوُّط، مروراً بأولئك المهمَّشين والذين هم في الصف الخلفي من موظفي المكاتب، ومديري الموارد البشرية.

في الكتاب محاولات لكسر حال من السرية والصمت، والتشدُّد في تطبيقه ضمن ذلك العالم، حيث تحدَّث المطلعون على ذلك المجال؛ والممارسون له، عمَّا يفعلونه كل يوم، وكيف ينظرون إلى أنفسهم، وما الذي يجعل منهم علامة بارزة؟ قدَّمت عيِّنات من اللقاءات التي أجراها يوريس، اعترافات بالتعتيم الذي تقوم به التكنولوجيا، والحسابات الموصلة إلى الاستثمارات الناجحة والمضمونة، كما أقرُّوا بأنه بعد انهيار «ليمان براذرز» في العام 2008، عملوا على تخزين احتياطاتهم (من السيولة والأصول التي لم تتأثر وكانت تتمتع بجاذبيتها)، مستثمرين أموالهم في الذهب، وكانوا على أتم استعداد لإجلاء عائلاتهم وأطفالهم إلى الريف والضواحي. كما اتفقوا على أن شيئاً لم يتغيَّر منذ حدث الانهيار. كانت كل تلك الاعترافات والإقرارات التي أدلى بها المصرفيون، ومن هم في حكمهم في هذا المجال، بالنسبة إلى يوريس مما تقشعر له الأبدان.

ماذا لو كان المصرفيون أنفسهم ليسوا هم العدو الحقيقي؟ ماذا لو كانت الحقيقة تتركز في التمويل العالمي الذي هو أكثر شراً من ذلك؟

ضوء

ولد الكاتب والمراسل الصحافي الهولندي يوريس لونديك في 30 ديسمبر/كانون الأول 1971، في أمستردام بهولندا. عاش في هيلفرسوم منذ كان في سن الخامسة. تلقى تعليمه في كنساس، متخصصاً في العلوم السياسية واللغة العربية في جامعتي أمستردام والقاهرة، قضى الخمس سنوات الأولى كمراسل صحافي لعدد من القنوات الهولندية في منطقة الشرق الأوسط. تنقَّل في عمله بين عدد من العواصم والدول في المنطقة من بينها: مصر، لبنان، والأراضي الفلسطينية، كما عمل مراسلاً فترة حرب الخليج الثانية في العراق العام 2003.

حصل على درجة الماجستير (معادلة للدكتوراه) في القاهرة. صدر كتابه الأول في العام 1998، وحمل عنوان «الرجل الصالح يضرب زوجته أحياناً»، ويتناول فيه جانباً من المجتمع المصري من وجهة نظر المراقبين الغربيين.

وفي العام 2006، أصدر كتابه «بشر مثلنا... تحريف الحقائق في الشرق الأوسط» في ترجمته الانجليزية، وصدر في نسخته الألمانية والهنغارية والأسترالية والأميركية والفرنسية والسلوفينية وحمل عناوين أخرى مثل»إنهم مثل الناس تماماً»، وفيه خلاصة تجاربه كمراسل صحافي في منطقة الشرق الأوسط؛ وسرعان ما أصبح من أكثر الكتب مبيعاً في طبعاته المختلفة.

جاء الكتاب كنتيجة لإحساسه وتلمُّسه لوجود خلل في الفهم الأوروبي لهذا الجزء من العالم, وسعى فيه إلى أن يقدم فهماً للمنطقة العربية، وثقافتها وأنظمتها، راصداً الفترة ما بين 1998 و 2003، في حال من استقصاء الأنظمة العربية الاستبدادية، والنظرة النمطية من قبل الغرب للمنطقة. في الكتاب أيضاً تعرُّض لصناعة الخبر، وكيفية صنعه، والعوامل المؤثرة في إيجاده، متخذاً من العالم العربي نموذجاً في تلك الصناعة.

جاء كتابه»صالح للطباعة: إساءة تمثيل الشرق الأوسط»، وفي العام 2010، أصدر «مرحباً بالجميع: أحد الصحافيين يبحث عن الحقيقة في الشرق الأوسط»، وطبع في الولايات المتحدة الأميركية.

يوريس لونديك
يوريس لونديك

العدد 4770 - الإثنين 28 سبتمبر 2015م الموافق 14 ذي الحجة 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً