العدد 4748 - الأحد 06 سبتمبر 2015م الموافق 22 ذي القعدة 1436هـ

الدُّب يُنجِد الأسد

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

قبل أسبوع نشرت صحيفة «وورلد تريبيون» الأميركية خبراً لافتاً. فقد أشارت إلى أن قوة من التدخل السريع تابعة للجيش الروسي مُكوَّنة من مقاتلات روسية وطائرات مروحية هجومية تمركزت في قاعدة جوية بدمشق لتُشكِّل قاعدة للعمليات الروسية هناك بهدف «دعم الرئيس السوري بشار الأسد في محاربة تنظيم (داعش)». وهو خبر أكدته بتفاصيله صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية التي وثقت خبرها عن طريق مصادر دبلوماسية خاصة.

ومما جاء في الخبر أيضاً أن «العسكريين الروس» بدؤوا تجهيز معداتهم الحربية «تمهيداً لإشراك الطائرات والمروحيات الهجومية في غارات جوية ضد» تنظيم داعش. وأن هذه الخطوة جاءت «بعد سلسلة من المفاوضات بين إيران وروسيا» الحليفتان لسورية «لمنع انتشار الميليشيات» المتطرفة التي ينشط فيها أزيد من ألفين من منتسبي «الجمهوريات الإسلامية السوفياتية السابقة» وبالتحديد المنخرطين في تنظيم داعش، الذي وصل منتسبوه إلى أكثر من 120 ألف مقاتل.

الغريب أن التعليق الروسي على هذا الخبر جاء مبهماً ويحمل تأويلات عدة. فعندما وُوجِهَت وزارة الدفاع الروسية بهذا الخبر، ردَّ مصدر لتلفزيون روسيا لم تُسمِّه بأن «طائرات القوات الجوية الروسية ترابط في مطاراتها الدائمة وفي مناطق أداء مهماتها وفقاً لخطة تدريب القوات وأداء المناوبة القتالية». ولا يُعلَم إن كانت لفظة «في مناطق أداء مهماتها» تدلُّ على أماكن أخرى خارج الأراضي الروسية أو في شبه جزيرة القرم بالقرب من أوروبا أو في جزر الكوريل المحاذية لليابان!

لكن الذي يبدو أن الأميركيين أكدوا تلك الأخبار عندما أعلن الناطق باسم الرئاسة الأميركية جوش أرنست يوم الخميس الماضي بأن البيت الأبيض «يتابع عن كثب المعلومات التي تشير إلى أن روسيا تقوم بعمليات عسكرية في سورية» وأن موسكو طلبت «تصريحاً لتحليق طائرات عسكرية فوق سورية» لكن الأميركيين لا يعرفون «ما هي أهدافهم حتى الآن».

الحقيقة أن التواجد الروسي في سورية ليس جديداً، لكن الجديد في الأمر أنه يأتي الآن ضمن سياق من الأحداث والتحالفات. فالخطوة جاءت بعد زيارة القائد العام لقوات القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني إلى موسكو بداية شهر أغسطس/ آب الماضي. لذلك فإن هذا التواجد هو مشهد جديد من مشاهد السياسة الروسية والإيرانية في سورية، بعد أن نَضَجَ وتبلور الموقف الإقليمي والدولي بصورة أوضح من «داعش»، ومن مسألة الإرهاب عامة.

لا أستبعد أبداً أن الولايات المتحدة الأميركية أحِيطَت علماً بذلك. فالأخبار الواردة تشير إلى أن الإدارة في واشنطن تُنسِّق بعض سياساتها في سورية مع الإيرانيين. وهو ما يعني أن الاستئذان الضمني الذي قُدِّم لروسيا من التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة قبل أكثر من عام، قامت به روسيا وإيران اليوم مع الغرب. وما بين التحالفيْن القائميْن توجد مجموعة من المصالح المتداخلة، والمتباينة في تفاصيلها وتفسيراتها فيما خصّ نوعية الحرب المشارَك فيها في سورية. فمفهوم الحرب بات مختلفاً في هذا الأوان مع توسّع لهب النار في غير منطقة من الشرق الأوسط.

قبل أيام أجرى أستاذ الفلسفة بجامعة نوتردام، ومحرر مجلة نوتردام للفلسفة، جاري جاتنج حواراً معمقاً مع سيسيل فابر وهي أستاذ الفلسفة السياسية بجامعة أوكسفورد ومؤلفة كتاب الحرب الكوزموبوليتانية ونُشِرَ على مدونة نيويورك تايمز. الحوار دار حول طبيعة الحرب العادلة. وبصورة عامة حول «القضايا الفلسفية المتعلقة بأخلاقيات الحرب». وباعتقادي، أن هذا النقاش هو ما يحكم السياسة في الغرب، وطريقة تفكير العقل الغربي تجاهها، وبالتالي انعكاسها على مناطق الصراعات ومن بينها سورية.

تقول سيسيل فابر في هذا الحوار: «النظرية التقليدية ترى على سبيل المثال أن الحرب العادلة لابدَّ أن تكون دفاعاً عن أرض الوطن، في حين يرى أغلب المنظِّرين الآن أن الدفاع عن السكان المدنيين ضد الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها بحقهم الأنظمة الحاكمة لهم، أو فصائل داخل بلادهم، هي أيضاً قضية عادلة. وبالمثل، بات مقبولاً على نطاق شائع اليوم ألا يقتصر حق خوض الحرب فقط على الدول ذات السيادة بل هو أيضاً حق للثوار (على سبيل المثال) ضد نظام استعماري، أو محتل أجنبي، أو حكومة تنتهك شعبها انتهاكات جسيمة. وهذا مهم، لأن أغلب الحروب المعاصرة حروب أهلية». دققوا في حجم الفوارق الرخوة بين كل خطوة وما يُناقضها في المعادلة.

فحرب مثل حرب احتلال العراق لا تراها فابر حرباً غير أخلاقية بالمطلق، فهي تقول: «»إنني أعتقد فعلياً، على رغم قضية أسلحة الدمار الشامل التي قامت على أساسها الحرب وأنها لم تكن معدة جيداً في ذلك الوقت، أعتقد أنه كان بوسعنا أن نخوض حرباً بناء على حكم صدام لشعبه. اعتراضي على الحرب قائم على النقص التام في تخطيط التحالف لمرحلة ما بعد الحرب، ولما فعلته القوات بعد ذلك، أو سمحت بوقوعه أثناء احتلالها للبلد». هذا يعني أن الأخلاق التي تتحدث عنها فابر ليس في أصل الحرب بل في السياسات التي أعقبتها والتي كانت فاشلة.

ضمن هذا التوصيف الفلسفي للغرب، فإن الأمر يعني تشريعاً لحروب تجري كيفما اتفق، ومن دون نقاش عميق للأخلاق فيها، أو جعل الموقف منها رجراجاً، وبالتالي هو أشبه بالضوء الأصفر أو ربما الأخضر لها كي تستمر. كما أنه وأمام المشهد العصيب في سورية، ما بين تحالف تقوده الولايات المتحدة الأميركية، وآخر تقوده روسيا داخل الأراضي السورية يجعلنا نضع كفاً على القلوب، كونه يشي بفصل جديد من الصراع الذي «قد» تنتظره سورية وشعبها المرهق.

كما أنه يُذكرني بألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية مع فروق المرحلة والتفصيل. وقد تأتي اللحظة التي تتحوَّل فيها سورية إلى منطقة نفوذ مزدوج ما بين الغرب والشرق، لتصبح (مع الفارق) كألمانيا بعد الحرب، يتأمَّر في شرقها الروس، وفي غربها الأميركان.

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 4748 - الأحد 06 سبتمبر 2015م الموافق 22 ذي القعدة 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 11 | 5:01 ص

      أمريكا قررت مغادرة الشرق الأوسط و التوجه نحو الشمس (أي الصين)

      أمريكا قررت مغادرة الشرق الأوسط و لكنها لن تغادرها قبل أن تقلب عاليها سافلها حتى لا تصبح بؤرة لتهديد المصالح الأمريكية و الغربية ... هذا الشيء نجح ... أمريكا اليوم لا تريد من الشرق الأوسط أي شيء ... فأمريكا صارت تتمنى تصدير النفط (هذا الشيء غير ممكن قبل موافقة الكونغرس) بعد أن كانت تستورده ... هناك مصلحة أخيرة لدى أمريكا .. أن يكون الشرق الأوسط على حاله .. لا غالب و لا مغلوب (الأمر يشمل إسرائيل) ... إذا رضيت إيران بهذه القواعد الجديدة فأهلا بها في المنظومة الدولية ... و إلا فهناك العصا لمن عصى.

    • زائر 9 | 4:17 ص

      العرب المتخلفين فوتوا فرص تاريخية للسلام مع إسرائيل و النتيجة كانت دمارهم و خرابهم

      1) أول شيء أضاعوا فرصة السلام مع إسرائيل في كامب ديفيد في 1981 عندما وقع السادات اتفاق السلام مع إسرائيل و أثبت حكمته و رجاحة عقله في حين كان العرب المتخلفين غاضبين منه لذلك.
      2) فوت حافظ الأسد فرصة السلام مع إسرائيل بعد حرب تحرير الكويت و كانت كل الفرص مؤاتية للسلام و قام بدلا من ذلك بدعم الإرهاب الفلسطيني لتقويض إتفاق أوسلو.
      3) فوت بشار الأسد فرصة السلام مع إسرائيل بعد انسحابها من جنوب لبنان و بدلا من أن يسعى للتقارب مع الغرب و إسرائيل تقارب مع قوى التخلف و الرجعية إيران!

    • زائر 10 زائر 9 | 4:37 ص

      تكملة التعليق لزائر 9

      طبعا المتخلفين عقليا من العرب سيقولون إسرائيل ما كانت ستنسحب من جنوب لبنان لولا ضربات حزب الله و هذا الكلام نصفه هراء و نصفه حقيقه .. كان هناك أمل بأن مجيئ بشار الأسد في 1999 للحكم كونه شاب صغير تعلم في الغرب و ليس ذو ميول عسكرية أنه سينتهز هذه الفرصة للتقارب مع الغرب و إسرائيل و قطع علاقاته من نظام الإرهاب الإيراني ... بدلا من ذلك (و اللوم يقع على والده حافظ أكثر منه) ... قام حافظ و استمر بشار بدعم حماس التي كانت تقوم بعملياتها الإنتحارية ليتم إقصاء اليسار الإسرائيلي المعتدل و يؤتى بنتنياهو.

    • زائر 8 | 4:10 ص

      أسطورة حزب الله انهارت في سوريا

      أتذكر عندما كنت أتناقش مع شلة أصدقائي المغسولة أدمغتهم بالبروباغندا الإيرانية ... كان الحديث دائما يدور عن انتصار حزب الله الإلهي في تموز 2006 .. لا يقبلون على الإطلاق أن تقول لما قام به حزب إيران في 2006 أنه حماقة و تهور .. بالنسبة لهم بقاء هذا الحزب الإيراني على قيد الحياة لمدة 33 يوم بعد الغارات الإسرائيلية هو انتصار لا يضاهيه انتصار ... لنسقط هذا المنطق على سوريا ... صمود بلدة كالزبداني تقصف بالبراميل المتفجرة و المدفعية الثقيلة لأكثر من 90 يوم هو هزيمة لحزب الله و انتصار للمعارضة السورية.

    • زائر 7 | 3:49 ص

      شيء محير و عجيب في القومجيين العرب!

      لفت نظري شيء ... ليس التدخل الروسي العسكري في سوريا و إنما تطبيل القومجيين العرب لهذا التدخل ... آآه يا زمن هل تتذكرون عندما غزا صدام الكويت و بدأ القومجيين العرب بالبكاء و العويل على حال العرب و أنه لا يجوز نصرة الأمريكي لضرب العربي الخ من هذا الكلام؟ .... تخيل لو أن أمريكا قامت بشن ضربات على الحوثي في اليمن؟ كيف سيكون رد القومجيين العرب؟ أراهنكم بأنهم سيبدؤون بالبكاء و العويل و استعراض جثث الأطفال و النساء على شاشات ا....

    • زائر 6 | 3:13 ص

      جعجعة فنجان قهوة في صحن

      ليس كل ما يقال عن دعم الدب للأسد بهذه الطريقة صحيح...السلطة الرابعة كانت وما تزال سبيلا لنشر أخبار قوتها أكثر من الفعل الحقيقي...صمود الجيش العربي السوري وإسناده بكل الطرق أمر يعادل ما تعرض له القطر السوري من مؤامرات من الخارج...أما التنظير بشرعنة الحروب يدخلنا للعصور الغابرة،فليس هناك ما يسمى بالحروب العادلة لأنه ليس من العدل قتل واستعباد الشعوب...كلمة أخيرة ستنتصر سوريا على كل من يريد شر لها ولشعبها.

    • زائر 5 | 1:48 ص

      تحالف ذو أهمية..

      التحالف الروسي والإيراني في سوريا سيكون له الأثر الأكبر من التحالف العقيم عديم الفائدة الذي تبلور بقيادة امريكا.
      التحالف بقيادة امريكا لم ينتج عنه تحقيق نتيجة واحدة من الأهداف المرجوة منه الا وهو نضوب واضمحلال الإرهاب في سوريا
      فلا تدفق التسليح والأموال والعدة توقف ولا تدفق الإرهابيين توقف فنتيجته بالتالي عقيمة عديمة جدوى نظراً لخبث مبدأه من الأساس
      اما التالي بتحالف الروس والإيرانيين مع السلطة السورية حتى وان كان مبني لمصلحة او كما وصف في كتاب الحرب الكوزموبوليتانية فهو سيحقق مالم يتحقق مسبقاً

    • زائر 4 | 12:27 ص

      سينتصر الشعب السوري

      مهما طال الزمان سينتصر الشعب السوري على بشار

    • زائر 3 | 12:26 ص

      لا عجب فالأنظمة العربية تآمرت على بعضها وعلى شعوبها

      نحن العرب ربما نكون أسوأ الأمم فالحكومات تتآمر على بعضها وعلى شعوبها وتتدخّل في شؤون الآخرين واصبحت اموال بترولنا لحروبنا وتدمير بلادنا .
      هلاكنا بأيدينا وخراب بيوتنا بأيدينا وتدمير اوطاننا بأيدينا.
      نحن شعوب واقع مضحك مبكى مزعج مقرف اصبحنا كعرب اداة للأقلام الساخرة والرسومات الكاريكاتورية

    • زائر 2 | 12:22 ص

      خطوة موفقة من روسيا وايران

      لان لهيب الإرهاب سيصل لروسيا وايران فبدأ التنسيق ودعم سوريا وهي خطوة مهمة لترسيم معادلات جديدة وأخيرا لا عزاء لمن صرف المليارات المليارات في تدمير سوريا والعديد من الدول ولن يستبعد ان يأتي الدور عليها فحينها لن تنفعها امريكا

    • زائر 1 | 11:12 م

      والجمل ينجد النعجة

      ينكتون العرب .

اقرأ ايضاً