العدد 781 - الإثنين 25 أكتوبر 2004م الموافق 11 رمضان 1425هـ

مفارقات رقمية!

عبير إبراهيم abeer.ahmed [at] alwasatnews.com

أذكر في زمن مضى، وتحديداً أول أيام العيد، كنا نترقب بلهفة قدوم بعض من الأهل والمعارف ممن كنا نعدهم من «الكبارية» وأغنياء في جيوبهم ونفوسهم ما إن نلمحهم حتى يبادر كل منا إلى تقديم التهنئة بحياء وخجل وعينه على أيدي هؤلاء متى ستدس في «المخابي» لتخرج بالكنز الدفين الذي ستنعم به أعيننا قبل جيوبنا ومن ثم حصالاتنا، هل تعلمون كم العيدية التي سيحصل عليها أكثرنا حظاً لكونه أكبر إلى حد ما من أقرانه أو لكونه محبوباً إلى القلوب وقريباً منها؟ لا أكثر من دينارين يميزهما عن باقي الدنانير ورقهما الجديد اللامع!

ديناران كانا مصدر سعادة لا توصف وأذكر أننا كنا نجلس بعد انقضاء فترة الظهيرة ليحصد كل منا غنيمته وقلبه يمقت على الآخر إن كان قد حصد من العيدية ما يزيد عليه بدينار أو كم فلس وخصوصاً أننا لم نفترق عن بعضنا فمن المفترض أن تكون حصيلتنا من هذا العيد واحدة!

وقبل يومين طالعتنا «الوسط» بخبر مفاده بأن الوزراء يحصلون في كل عام على مئة ألف دينار عيدية!... ومن هنا كان مصدر تذكري لغنائمنا من العيد في زمن الطفولة ودارت في خلدي أسئلة: ترى لو كنا نحصل آنذاك على ربع هذا المبلغ وليس كله كيف سنصرفه وما الذي سنشتريه؟ وقبل كل ذلك هل تستطيع عقولنا استيعاب هذا المبلغ وتحمل ضخامته وهي التي سلبت لبها سابقاً من دينارين تحصدهما بالطيب أحياناً والمحايلة أحياناً أخرى؟!

مفارقات عجيبة وغريبة صارت تتردد على مسامعنا في هيئة أرقام تجعل الحال مضحكاً مبكياً في الوقت نفسه ففي الوقت الذي يحصل فيه الوزراء على مئة ألف دينار عيدية لوجه الله وبواسطة كرم حاتمي، يشحت لنا النواب خمسمئة دينار عيدية ومازال إقرارها بين شد وجذب! 12 مليون دينار صرفت في ظرف سنتين على مجلسين عقدت عليهم الآمال في تحسين الحال والوقوف على ما يحتاج إليه المعدمون في هذه الأرض فيكون الحصاد صفراً وأي صفر أناس يتبوأون أعلى المناصب ويتسلمون آلاف آلاف الدنانير ويسكنون الفلل والقصور ويركبون سيارات آخر موديل وأقيمها ماركات وطولها بالأمتار في الوقت الذي يفرح آخرون بمكافأة خمسين ديناراً فقط لاشك أنها ستكون مصرفاً لعلاجهم أو مداواة فقرهم!

الدنيا حظوظ ولكل منا رزقه في هذه الدنيا و«اللهم لا حسد» ولكن ألا تجعلنا هذه الأرقام الصعبة جداً على تخيل أمثالنا من الناس أن نسأل من أين لهم هذا؟ هل كل ما يتسلمونه يقتطع من حساب الموازنات التي ترصد لكل وزارة وبذلك نجد مبرراً لضعف الموازنة الذي غالباً ما يكون الشماعة التي يعلق عليها المعنيون بهذه الوزارات عدم توظيفنا أو إصلاح حالنا أو حال وزارتهم نفسها؟! أم أن هذه الأموال من كرم الله علينا إذ سمعنا بأن مداخيل نفطنا زادت ولكن يبدو أنها خاصة بأناس هم أعلى منا فليس لنا أي حق فيها ولو بجزء بسيط يبعد عنا شبح الفقر الذي بات ينهش عظامنا ويهدد حياتنا في كل حين؟ أم تراه لقاء جهد كبير كبير جداً بحجم المبلغ الضخم نفسه فهم بهذا الجهد الذي يبدو أنه يبذل في الخفاء كونهم لا يحبون الظهور أبداً ولا معايرة الناس بما فعلوا وبذلوا يستحقون فعلاً هذه المبالغ وزيادة؟!... وإن كان جواب الأخير بنعم، فلنستبشر خيراً بهؤلاء الخيرين، فخيرهم قادم لا محالة وسننعم ببحبوحة العيش أخيراً وما علينا إلا الانتظار حتى لو فني عمرنا كله

إقرأ أيضا لـ "عبير إبراهيم"

العدد 781 - الإثنين 25 أكتوبر 2004م الموافق 11 رمضان 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً