العدد 737 - السبت 11 سبتمبر 2004م الموافق 26 رجب 1425هـ

أغيثوهم... أسمعتم شكواهم الآن؟!

أحمد البوسطة comments [at] alwasatnews.com

الاختلاف الجميل الذي حصل في ورشة العمل «الإصلاحات في دول الخليج» التي أقامتها جمعية العمل الديمقراطي بمناسبة افتتاح المقر الجديد، بين الرؤية التفاؤلية لعبدالخالق عبدالله وبعض الرؤى في المنتدى التي يمكن وصفها بـ «المتشائلة»؛ يعكس أن القوى والتيارات الديمقراطية والعلمانية والمثقفين التنويريين التي صادرت الحكومات حقها، وطاردتها، واضطهدتها، وزجت بها في السجون، وما إلى ذلك من القصص التي نعرفها بهدف تعطيل وعرقلة دورها، هي الآن في بعض الدول «بألف - بعشرة آلاف - خير»، وفي دول أخرى بالمنطقة، مازالت تعاني صعوبات وربما الأسوأ من السابق، ومن المرارات الأليمة للصراع المزدوج الذي تعانيه من الجماعات السلفية المتطرفة ومن حكومات غيبتهم، ومنعتهم من أداء واجبهم التنويري.

فحين يعبر عبدالخالق عبدالله، وهو رئيس مركز الخليج الاستراتيجي في دولة الإمارات العربية بوطنية، عن وجهة نظرٍ تخاطب العقل، معتمدةً على ثقافة حوارية «طالما استغاث المتنورون لتعميمها ولم يستمع أحد لشكواهم»، وحين يرد عليه إصلاحي خليجي يحمل الهمّ ذاته بلغة حضارية أيضاً، للخروج من مرحلة «الركود» والبطء في الإصلاحات التي تتحرك مثل السلحفاة، إلى التسريع والتصويب كحقٍ مشروعٍ بعد تغييب طويل للديمقراطية «بفعل فاعل» تدفع المجتمعات الخليجية الآن فاتورة استحقاقه بترعرع قوى وفتاوى مشحونة بالكراهية للآخرين وبتحقير الحياة وعشق الموت ونحر الرجال والنساء «كالنعاج»، وممارسة الجهل والتخلف... كل ذلك يذكّرنا بأن التغيير قادم، ويدعونا إلى الميل إلى التفاؤل في صالح القوى التنويرية وذاكرتها المضيئة.

واعتقاد عبدالخالق بأن «المعارضة البحرينية، والنموذج البحريني يمثل القاطرة التي تقود بقية القاطرات، على رغم المنغصات» يتلمس الصواب ويتجه نحو التفاؤل ذاته، لأن لغة العصر، ونظرته، وبوصلته ما عادت ضالة عن الطريق المؤدي إلى الديمقراطية وانتشارها في هذه المنطقة التي هي جزء من العالم، كما كان في الماضي، وأن بضعة «الأنفار» من المناضلين الذين كانوا يحشدون الهمم ويتعرّضون للصعاب والتعذيب في الأيام الغابرة، يكبر حجمهم بالتدرج (كما يحدث الآن في المملكة العربية السعودية واتساع حجم المطالبين بالإصلاحات بالطرق السلمية المشروعة، فيما تتوارى تدريجياً لغة التطرف والقتل الهمجي الذي لا يقره عقل ولا ضمير).

قبل فترة قصيرة قرأت بإعجاب مقالاً بعنوان «طبّقوه قبل أن تنقحوه»! للكاتب والسياسي الكويتي المعروف أحمد الديين (وهو بالمناسبة أحد المشاركين بورقة في منتدى الإصلاح بالخليج في مقر جمعية العمل الديمقراطي الجديد) المنشور في صحيفة «الرأي العام» في 31 أغسطس/آب الماضي، قال فيه: «إنّ الإصلاح الديمقراطي المنشود في الكويت لا يعترضه مانع دستوري، وإنما تعترضه أوضاع وتشريعات مناقضة للدستور، إذ تمكنت القوى المتنفذة طوال العقود الأربعة الماضية من إفراغ الدستور من مضامينه الديمقراطية والارتداد عنه عبر فرض نهج الانفراد بالسلطة، وتشريع عدد من القوانين المقيدة للحريات! فليس هنالك نصّ دستوري يقرر منع أبناء الشعب الكويتي من تولي ما يسمى «المناصب الوزارية السيادية»... وليس هنالك نصّ دستوري يمنح رئيس مجلس الوزراء سلطة رئاسية تتجاوز رئاسته اجتماعات مجلس الوزراء والتنسيق بين الوزارات المختلفة، فهو رئيس لمجلس الوزراء وليس رئيساً للوزراء... وليس هنالك نصّ دستوري يبرر عدم إشهار جمعيات نفع عام جديدة... وليس هنالك نصّ دستوري يبرر حرمان المواطن الكويتي من حق اللجوء إلى القضاء الإداري للطعن في القرارات الإدارية الجائرة المتصلة بقضايا تراخيص الصحف، أو دور العبادة، أو الإقامة، أو الجنسية الكويتية... وليس هنالك نصّ دستوري يحرم المواطن الكويتي من الوصول مباشرة إلى القضاء الدستوري، ولكنها موازين القوى المختلة، التي أعاقت التطور الديمقراطي، والتشريعات المقيدة للحقوق والحريات الديمقراطية المكفولة دستورياً للمواطن الكويتي»!

ولا أخفي سراً، أن إعجابي بما طرحه الديين استفزني لدرجة كتابة رسالة له «مغازلة وتأييد» لأفكاره التي تلامس الواقع جاء في جزئية منها: (... هذا «عندكم/عندنا/ وعندهم»، وأقصد، جلّ العرب وليس كلهم. أولئك الذين مازالت ثقافتهم متلبسة بالاستبداد والفكر الاستبدادي؛ أقرأت يا صديقي، وأنا أعرفك عن قرب صاحب ثقافة واسعة ومطلعاً على الثقافات المختلفة التلاوين، مصطلح «الحاكم المستبد العادل» في مكان ما غير الثقافة والتراث العربي والإسلامي الذي يسوقونه في أدمغتنا؟!

هل يوجد في الدنيا «مستبد» و«عادل» يسيران في خطين متوازيين لا يلتقيان «إلا بمشيئة الله»؟ فالاستبداد نقيض الحرية في عصرٍ يقول عنه المفكر العربي فهمي جدعان: «نحن الآن جزء من عالم تحكمه ثلة من القيم الإنسانية التي تخص الفرد بمكانة إنسانية كريمة. فهو عاقل وراشد وقادر على توجيه حياته، وهو منفتح على الدنيا وعلى المعرفة وعلى الشعوب والثقافات. وبكلمةٍ واحدةٍ هو شخصٌ جديرٌ بأن يكون حاكماً لنفسه. ومعنى ذلك أن إلغاء دوره وإسناد الأمر إلى حاكم مستبد عادل يرتدان إلى الزعم أن هذا الإنسان لم يرقَ بعدُ إلى مرتبة الاستقلال الذاتي والنضج المعرفي، وأننا نريد أن نعزّز هذه «الاستقالة» من الفعل والتوجيه بأن ننصّب له «راعياً» يجري كل الأمور بدلاً عنه»).

خلاصة ما وددت قوله، إن الحصاد التنويري للمناضلين والمثقفين التنويريين الذين اختلفوا اختلافاً حضارياً في منتدى الإصلاح بمقر «العمل الديمقراطي» الجديد، بدأ يثمر، وإن تضحياتهم في الأيام العصيبة من أجل ديمقراطية حقيقية، بدأ الاعتراف بها وتقديرها والاعتماد عليها لتأسيس مجتمع صالح، وما العمل السياسي العلني الذي ينتشر في البحرين وتتوسع دائرته إلى دول المنطقة، إلاّ خطوة في الطريق الصحيح، وإن كانت غير كافية، ولا ترقى إلى ممارسة الديمقراطية، إلا أنها تبيح للناس أن يعبّروا بحرية عن آرائهم ومعتقداتهم وتصوراتهم واختلافاتهم من دون استخدام العنف والإرهاب الفكري الذي تمارسه الجماعات التكفيرية.

كاتب بحريني

العدد 737 - السبت 11 سبتمبر 2004م الموافق 26 رجب 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً