العدد 505 - الجمعة 23 يناير 2004م الموافق 30 ذي القعدة 1424هـ

معلّمة... واستهلاك يسبق الإهلاك

نبيل المحمود comments [at] alwasatnews.com

«وتر القوس المشدود بقوة يكسر بسهولة»... سيرس بابليوس

استيقظت من نومها مبكرا ورأسها مثقل بما نامت به من أفكار وهواجس وهموم... فهي لا تكاد تبصر طريقها من الجهد والسهر. استجمعت قواها فأنهت التزاماتها الأسرية قبل مغادرة المنزل... وما أن بلغت المدرسة إلا وكانت المهمات الآتية بانتظارها كمربية فصل:

وجدت دورها في إذاعة الصباح وتحضير الطالبات لها.

عند أداء الحصة الأولى، استهلت يومها بلجم الطالبات المشاغبات، وتأنيب المقصرات، بعدها عملت على تحضير الاختبارات القصيرة للطالبات مع متابعة تصويرها عند الكاتبة.

ثم كانت الحصة الثالثة التي تلتها مناوبة تنظيف الساحة المدرسية في فترة الاستراحة (الفسحة).

الحصة الرابعة قدمتها كاحتياط لغياب مدرسة زميلة، ثم باشرت بعدها تصحيح كراسات الطالبات، فإذا بالحصة السادسة يحين وقتها.

بعد الظهر، تحضير دروس اليوم التالي، ثم تنفيذ وطباعة بعض الوسائل التعليمية، يعقبها حضور دورة تدريبية يليها أداء المهمات المتصلة بها (Assignments).

اليوم الثاني

حتمية تفقد نظافة الفصل قبل بدء الطابور الصباحي، ثم مرافقة التلميذات إلى فصلهن، وتسجيل الغياب، ومتابعة أية أوراق أخرى أعطين إياها من قبل المشرفات وذلك لتحليلها أو التعليق عليها.

ثم تبدأ الحصة الأولى فيعقبها القيام بتحضير بعض الوسائل التعليمية للطالبات.

تفاجأ بحضور بعض أولياء الأمور لمتابعة بناتهن، فتضطر للاجتماع بهن، ما يستهلك وقتها.

عقب الحصة الثالثة يحين موعد الاستراحة التي لم تجد بها الراحة، إذ لم تلبث في استغلالها في أعمال تصحيح كراسات التلميذات ودفاترهن.

فيأتي دور الحصة الرابعة التي يتم فيها توزيع التلميذات على أنشطة مختلفة بحسب ميولهن، ثم الصحة الخامسة التي يليها تصحيح الكراسات والدفاتر وملء بعض البيانات المتعلقة بالتلميذات، لتختم يومها بالحصة السابعة.

بعد الظهر، تحضير الدروس لليوم التالي، وتصحيح الاختبارات اليومية القصيرة، وتصميم الوسائل التعليمية.

اليوم الثالث

برنامج مطابق لليوم لاأول مع إضافة مقابلات أولياء الأمور بعد الحصة الأولى مباشرة إذ يتم استدعاؤهن أحيانا من قبل المعلمة خصوصا لذوي التحصيل الدراسي الضعيف، ناهيك عمن يأتي في غير الأوقات المخصصة للزيارات. وكذلك تتطابق مهمات ما بعد الظهر مع اليوم الأول.

اليوم الرابع

بعد المشاركة بطابور الصباح، وإتمام الحصة الأولى والثانية والثالثة بتتابع، تعمل على تصحيح كراسات التلميذات بالتزامن مع تناول الفطور.

حضور برنامج تدريبي يتعلق بالمادة خلال فترة الحصة الرابعة والخامسة والسادسة.

بعد الظهر، نسخة من اليوم الثاني، مع زيادة حضور دورة تدريبية وما يتبعها من مهمات تخصها.

اليوم الخامس

شبيه باليوم الذي سبقه، مع حضور دورة تدريبية أخرى خلال فترة الحصة الرابعة والخامسة والسادسة.

بعد الظهر، تحضير الدروس، ثم تنفيذ وسائل تعليمية، ثم تصميم الاختبارات القصيرة الأسبوعية أو الفصلية، ثم وضع درجات الطالبات المتصلة بالتقييم والمشاركة و... و...

وما أن تبلغ المعلمة نهاية الأسبوع، حتى تجد نفسها منهكة تماما، مع شعورها بعدم تقديم ما ينتظر منها للطالبات بسبب تراكم الاعباء الوظيفية خلال أوقات الدوام الرسمي وكذلك فترة ما بعد الظهر. بالاضافة لشعورها بالتقصير في حق اسرتها التي تعد ضمن مسئولياتها أيضا كما أمرها الله عز وجل، لنهلكها في نهاية المطاف كمربية فصل وكربة بيت أيضا.

من هنا، تتراكم تبعات هذه العملية المرهقة يوميا وتتفاقم لتنعكس سلبا على جودة أداء المعلمة، انتاجيتها، صحتها، نفسيتها في المدرسة والمنزل، ولائها للمدرسة، رضاها بوظيفتها... الخ. وما حال هذه المعلمة الا انموذجا متكررا لدى اخريات. وقد ثبت لنا ذلك من خلال شريحة من المعلمات بلغت 72 في مستويات متفاوته، فعند سؤالهن عن حبهن لوظيفتهن كانت الاجابة بالاجماع «نعم» انما عند سؤالهن عن رغبتهن في التمسك بالوظيفة أجاب 84 في المئة بـ «لا» وأعزين السبب الى ثقل الحمل الملقى على عاتقهن والمسئوليات المتراكمة التي تبيد قواهن يوما بعد يوم وتؤثر سلبا على حياتهن العملية والاجتماعية معا.

وسواء كانت إدارة المدرسة هي المتسببة في ذلك من أجل ابراز اسم المدرسة وفاعليتها أم وزارة التربية والتعليم بقوانينها... فإن النتيجة حتما واحدة. لذلك لابد من تناغم الوصف الوظيفي للمعلمة مع تلك المهمات الشاقة التي تنفذها. فمعلوم لدى المتمرسين في علم الادارة بأن توزيع المهمات يحتاج لتوزيع أوقات الراحة أيضا. والعمل المتواصل يهلك صاحبه من دون أن يترك له سبيلا للابداع والتطوير الذاتي فضلا عن تطوير من هم في دائرة مسئولياته. ومن أولئك Richard Carlson الذي يخبرنا بـ «ان الاخفاق في اتباع نظام استراحات منتظمة كان خطأ جسيما لأنه لا يستنفذ طاقتك فقط بمرور الزمن وإنما يجعلك أيضا غير منتج من دون أن تشعر ويجعلك أقل صبرا وانتباها، الى جانب تأثر مهاراتك في التركيز والإنصات. اعتقد ان التأثيرات المتراكمة مع مرور الزمن هي عنصر مهم، فقد تستهلك بسرعة أكبر وتنخفض قدراتك على الابداع.

وأخيرا نذكر المعنيين بالأمر بوجود كوادر مبدعة وموهوبة من المعلمات، واستمرار الضغط عليهن مع قلة الحوافر المشجعة على استمرار العطاء وان كان شاقا ومنهكا... لن يجني مساوئه سوى إدارة المدرسة والطالبات أنفسهن خصوصا في ظل عدم تناغم اعداد المعلمات الاحتياط من مدرسة لأخرى لتخفيف المسئوليات عن زميلاتهن. ونحن نعتقد بأنه لا تكاد تخلو أسرة إلا وبها معلمة واحدة على الأقل، وكلنا نرى بأم أعيننا ونستشعر بقلوبنا الحالات المرضية التي يعاني منها البعض كالام الظهر والرقبة والصداع والضغط النفسي والشد العصبي و... و... ونسأل الله العافية.

وللاتي يعانين من الضغط الوظيفي هذه بعض المهارات العملية المجربة:

- عند معاناتك من الضغط إياك ومحاولة التهرب منه، بل اقنعي نفسك بقوة ارادتك لئلا تنشري عدواه بين المحيطين بك.

- دوني هذا الضغط على شريط لاصق، وصفي الضغط الذي تشعرين به، ثم اكتبي جملة واحدة تبيني بها سبب ذلك الضغط.

- فكري في علاج لكل سبب أدرجته ثم دونيه بجانبه.

- ضعي الشريط اللاصق بما يحمله من ملاحظات على قمة مكتبك، ثم ضعي اشارة للنظر اليها كل يوم، فذاك سيعينك في التحكم بأعصابك عند مواجهة الازمات بمشيئة الله.

- تحري الشخص الناصح الذي بإمكانك التحدث اليه عما بداخلك من توتر ليساعدك على تخفيفها.

- افحصي العملية التي نفذتها بعد كل ازمة لتري مدى فاعلية العلاج الذي وضعته، وإمكان تنفيذه بصورة أفضل، فربما تحتاجين لتحسين العلاج للمرات المقبلة.

- اما المهام المتراكمة، فلا مفر من ادارة أولوياتها... الأهم فالمهم، ثم الأقل أهمية.

- لتكن تمارين الاسترخاء جزءا من حياتك اليومية، فممارستها بانتظام تقلل من حدة الضغوط، بدءا من الجلوس الصامت لدقائق على كرسي المكتب والتمدد المجدد للطاقة والتنفس المنتظم، حتى ممارسة رياضة المشي أو اليوغا أو... وفي ذلك يطول الحديث ولأهل الاختصاص فيه حديث.

- للتمتع بديمومة الطمأنينة، لا تنسي الذكر الدائم لله تعالى «ألا بذكر الله تطمئن القلوب» (الرعد: 28).

إن زيادة قوتك تأتي عن طريق تدبر المواقف المتوترة وتحويلها الى مواقف ناجحة، وان تجعل هذه المواقف فرصا للنجاح. Burton Kapla

العدد 505 - الجمعة 23 يناير 2004م الموافق 30 ذي القعدة 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً