العدد 3999 - الأحد 18 أغسطس 2013م الموافق 11 شوال 1434هـ

بعض «القوانين» خريطة طريق لاحتراب أهلي!

جعفر الجمري jaffar.aljamri [at] alwasatnews.com

-

وُجدت القوانين - وأضعها بين هلالين للتمييز - للنأي بالإنسان عن عودته من حيث جاء:الغابة البشرية التي فيها البقاء للأقوى.وُجدت القوانين لتنظيم مسار وعلاقات الاجتماع البشري.وجدت أيضاً لتوفّر استقراراً؛ لا ذلك الذي يوفره حيّزه الخاص فحسب؛ بل ما بعد ذلك الحيّز.طمأنينة تطول كل تفاصيل تحرُّكه وحياته.

وُجدت القوانين لتضع حدّاً للاستئثار والهيمنة والغَلَبة بالقوّة لا الحق.وُجدت لتمنح الضعيف قوة في حمايته، وترشّد القوّة بما ينفع الناس وأصحابها.

في النهاية، وُجدت القوانين كي يأخذ الإعمار في الأرض، والبشر حصّتهم اللائقة، والحافز الباعث على الثقة كي يكونوا جديرين بآدميتهم، وكي يكون الحيّز الذي يتشكّلون فيه بعلاقاته، قادراً على إضفاء الدهشة والإبداع والتنافس الحرّ بمسئولية، والشريف في التزامه.

***

بعد ذلك، أي قوانين خارج تلك الخريطة، وبمنأى عن ذلك الهدف، وخارج تلك الحاجات والضرورات والثوابت، استهدافاً لفئات، ونكاية بمجموعات، وترصّداً لمعارضات، وإيقاعاً بمختلفين، لن تعدو كونها تأصيلاً واستدعاء لعالم الغاب في أشكال وتبريرات وعناوين ومسمّيات، لن تنطلي على بهائم الغابة الأصلية!

***

كل قانون يتم تشريعه ووضعه لتعميق حال من التمييز، لا يمكن لعاقل أن يحترمه ويعترف به، عدا جرأة أن يطلق عليه اسم قانون؛ ولو من طريق الخطأ.

لا قانون في الدنيا يعيد البشر إلى حال خرافة أن بعضهم دمه أزرق، وأنهم من صلب الآلهة، وأنهم مُطلقو اليد في احتقار وإلغاء ما عداهم. مثل ذاك تشريع للهراء أكثر منه للحكمة، وللفوضى أكثر منه للنظام، وللاحتراب أكثر منه للتواؤم، وللخراب أكثر منه للإصلاح.

***

كل «قانون»يدخل في مواجهة صريحة وسافرة مع حق الناس فيما يعتقدون ويؤمنون به، ماداموا محترِمين لاعتقادات وإيمان الآخرين، هو مشروع احتراب وتحريض باسم «القانون» وفتنة تُرصد لها موازنات وتمويل وكادر بشري، لنسف قيمة الوجود البشري الذي يهيمن فيه وعليه!

وكل «قانون»يحاسب الناسَ على ألوانهم وأعراقهم، هو امتداد لفوضى عصور لم تعرف القوانين.قوانينها أن تُجهز على أقرب ضعيف تصادفه، وأن تحتقر أي لون هو على الضد ممن تحميه ووضعت من أجله.

بصريح العبارة مثل ذلك «القانون» يُمنهج لإعادة البشر إلى عصور التصفيات والإبادات؛ وليس بالضرورة أن تكون تصفيات وإبادات بالإجهاز المباشر على الأرواح وسفك دماء أصحابها؛ بل بإخراجهم من معادلة الحياة، وجدوى وجودهم فيها؛ في ظل تشريعات و»قوانين» لا تراهم بالعين المجرّدة لفرط احتقارها وعنصريتها.

***

لا «قانون»يتوخّى احترام الإنسان ورعايته والأخذ به إلى الأجمل والأروع، يلغّم الحياة من حوله.يلغّمها بالنقيض.بالنقيض من الاحترام: الاهانة والاقصاء، والنقيض من الجميل والرائع: القبيح والمتخلّف والنَكِرَة، والنقيض من القيمة: العَدَم والتفاهة، والنقيض من إنسانيته: عبْر التعامل معه باعتباره دون الحيوان وحتى الأشياء بمراحل.

«قانون»مثل ذاك يضع الجنس البشري أمام إغراء النهايات.نهايات التصفية والإبادة.هل في ذلك إغراء أساساً؟ نعم بالنسبة إلى المرضى والخارجين على أبسط ذوق حيواني وليس بشرياً فحسب!

***

و»القانون» الذي يتغاضى عن واقع التجاوزات على الأرض، هو تشريع للتجاوز، وإغراء على تمدُّده واستفحاله وشيوعه؛ حين يرى بعين مركّزة ما يريد رؤيته، ويصاب بعطب وتلف ذاتيين في العين نفسها حين لا يعنيه الأمر؛ ولا يكتفي بذلك؛ بل يُمعن في شرْعنة تراكم ذلك التجاوز ووصوله إلى مراتب يتوهّم من خلالها أنه حقق حماية لطرف لا خوف عليه ولن يحزن؛ فيما يتوهّم في الوقت نفسه أن ضحايا تمييزه لن تقوم لهم قائمة ويمكن اعتبارهم في ذمّة التاريخ والزمن!

***

ختاماً:»القانون»باعتباره جامعاً ومظلّة لتكريس الحقوق بين البشر، لا يمكن أن يكون كذلك إنْ لم يتوخَ الحقيقة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وبما توافر له من إمكانات، من دون تدخلات وضغوط وابتزاز وتهديد.الحقيقة -وتظل نسبية –إذا ما نُسفت وتم التلاعب بها وفبركتها واصطناعها وفرْضها فرضاً ولو من العدم، يعيد الوسط الذي يتحرك فيه مثل ذلك «القانون»الذي لا أثر يدل على القانون فيه، إلى بيئته وفوضاه وتناحره وحيوانيته وشهوانيته الأولى:الغابة!

علينا ألاَّ ننسى: ثمة «قوانين» هي بمثابة قنابل موقوتة، وخريطة طريق لاحتراب كوني وليس أهلياً فقط!ومنافذ ترويج مثل تلك «القوانين»لا تختلف كثيراً عن الترويج للرذيلة في جوانبها المركّزة في الفاحشة!

إقرأ أيضا لـ "جعفر الجمري"

العدد 3999 - الأحد 18 أغسطس 2013م الموافق 11 شوال 1434هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً