العدد 3890 - الأربعاء 01 مايو 2013م الموافق 20 جمادى الآخرة 1434هـ

«الوطنية والشرف»: أن تصفق وترقص أمام الدم والكارثة

جعفر الجمري jaffar.aljamri [at] alwasatnews.com

-

لا تُتعبوا أنفسكم في تعريف الوطنية. ببساطة: أن تكون على تواصل بأجهزة الوشاية والأمن، وأن تعترف أنك غير موجود؛ إلا إذا قرّرت جهة ذلك.

أيضاً، يمكن فهم الوطنية بإخضاعها إلى الواقعية الرسمية. لا نتكلم هنا عن الواقعية في الأدب. ولا أقصد بالأدب هنا مكان قضاء الحاجة طبعاً؛ كي نكون واضحين!

ولكي تكون وطنياً، عليك أن تستشير جهات بشأن معدّل تنفسّك وحصّتك من الهواء المقررة، وعليك ألاّ تستغل ما تتمتع به من فطنة وذكاء وطاقات إلاّ بإذن رسمي مختوم من أربعة أو خمسة حجّاب للهواء والضوء.

ثم لكي تؤكد وطنيتك أكثر وتعمّقها لتصل إلى المرتبة النهائية (الشرف) عليك أن تتفرّغ فقط - ما استطعت - بأجر أو من دون أجر، لتجريد المخالفين من شرفهم وقيمتهم ووطنيتهم بحسب مزاجك، وتبعاً لأحوالك المادية وأوقات الأنس! ولن يكون لك أي عذر لو تأخر عنك المدَد المادي الذي هو بمثابة الزيت للمحرك، والوقود لدفعك كما تُدفَع المركبة أو حتى الإبل!

من صور الوطنية أيضاً أن تكون غراباً، وظيفتك مطاردة الحَمَام، والعبث في الحقول، وتخريب جهود الناس وعنائهم، وإذا استطعت، قطع دابر أرزاقهم؛ ولو وهماً، ذلك سيُرضي الذين تستمدّ تنفّسك الاصطناعي وبالجرعات منهم.

ومن ملامح الوطنية أن ترقص على آلام وجراحات وعذابات من تم حشو دماغك - إنْ كان ثمة دماغ - بأنهم «العدو قاتلهم الله»، وبأنهم سبب احتباس المطر وشح الحصاد وانقراض النسل البشري والاحتباس الحراري بسبب «عقائدهم الفاسدة»، في ظل «صحيح العقيدة» التي تستمدّ رفْدها من السماء وبملائكة مردفين في السلْم والحرب!

ومن بصمات الوطنية أيضاً، ألاّ تترك أحداً ممن يجب أن تعتقد أنه أقل منك قيمة وخلقاً ومعرفة وديناً ومذهباً ووسامة؛ ولو كنت كقَطَع الليل المظلم، يحلم ولو خارج الحدود؛ عدا داخلها. ترْكه يحلم بمثابة نوم الناطور في حقل العنب. هكذا علّمتْنا بعض الأمثال في سخافتها؛ لكن السخافة في الفرز الوطني وفرْز الشرف وفرْز المعتقد، وفرْز الوسامة أيضاً هي جزء من الوطنية التي لا غنى عمّن يأخذ حصّته من الهواء والتنفس ببطاقة تموين ليس بالضرورة أن تكون مرئية.

ومثلما للطريق خريطة، للوطنية والشرف خرائط. أن تقعد للناس كل مقعد، وأن ترى غُرماءك أرصفة للأحذية، وكوابيسهم أحلامك، وصوابهم أخطاءك وصلواتهم آثامك ونجاحهم فشلك وقوّتهم ضعفك واتساع أفقهم ضيق أفقك، هذا إن كان لك أفق أساساً؛ لكي لا ننسى التنفس ببطاقة التموين والحصص المقررة لك!

وتعلمك هذه المرحلة المشحونة بالغلّ «الوطني» أن تكون ملتزماً بالتعاليم، ولو لم تحوِ ما يدل على التعاليم، وأن تلتزم بـ «الأخلاق» ولو بدر منك ما يحطّ من الأخلاق، وأن تلتزم حتى بالعدم إذا طُلب منك ذلك، في سبيل تحقيق الخطط الخمسية الأخلاقية والشرفية المستندة إلى هيجانها وتوترها وعنصريتها أيضاً. ولا تذهبنّ بك الظنون مذاهب التسفيه بالدور الوطني والأخلاقي الذي تطّلع به؛ ولو كان في نظر العالم كله من أجل إثبات نظرية «البقاء للأقوى» لا الخلاق، يهون ما ستُرمى به من نعوت التنْبلة و«الريموت» و«عدم الرشْد»!

وتعلم - رعاك الله - أن الشائع من القول بين الناس ومنذ خلق الله الأرض ومن عليها: صاحب الحق لا يكون هيّاباً، فلا تلتفت للشائع لكي تكون وطنياً وشريفاً بحق. فهم من يحدّد لك الحق الذي يعتقدون ويرون، ويحّدون لك الطريق إليه، ولا يهم بعد ذلك كمُّ الحُفَر والنهايات المُخزية مادمت في سبيل وصفة كهذه، ولتكن أنت وشأنك حين تحدث الصاخّة أو الطّامة أو الواقعة أو القارعة.

ثم إنه عليك أن ترى الذين قرّر المزاج والسكْرة بالدم أنهم متسكّعون وجاءوا تهريباً إلى الوطن بغالبيتهم؛ ليسوا مواطنين وإنما دون اللاجئين، وأن تتعامل وتنظر إليهم كما تتعامل وتنظر إلى السلع المقلّدة؛ سواء من الصين أو تايوان أو كوكب زحل أو تم إقحامهم إقحاماً في هذا الأرض التي فجأة كتب تاريخ «مواطنيها» الوطنيين الشرفاء الذين لن يكون من الوطنية والشرف البحث في شجرة أنسابهم وأصولهم ولو جاءوا من العدم والمجهول.

نسيت وعليّ أن أستدرك: من الوطنية والشرف في هذه المرحلة التي يُراد لها أن تكون بائسة ويائسة بامتياز، أن تتخذ من المختلفين معك جسوراً للعبور، ومن دمهم كفايتك من الارتواء، ومن شقائهم سعادتك التي تتوهّمها وأوهمك بها أصحاب الوصفات الذين ألقوا بك في هذا الأتون واكتفوا بالفرْجة، وأن تصفق وترقص أمام الدم والبؤس والكارثة وتكون دليلاً على العدم!

إقرأ أيضا لـ "جعفر الجمري"

العدد 3890 - الأربعاء 01 مايو 2013م الموافق 20 جمادى الآخرة 1434هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 7 | 6:31 ص

      فاقد الشئ لا يعطيه ( الشرف والوطنية )

      ماذا يعرف من فقد شرفه ووطنيته عند ما باعهما في سوق النخاسة هذا ان كان عنده شئ منهما اساسا ، العبد الذليل لايفهم هذه المعاني فهو تابع وعقله مؤجر وكيانه مسخر ولا يملك من امره شئ فهو كالانعام او اظل سبيلا.

    • زائر 6 | 3:29 ص

      مقال مؤلم حقا

      شكرا لك على هذا المقال الدقيق والمؤلم والساخر ولكنه الحقيقة الساطعة التي نعيشها ...لكن هذه ضريبة الطالبين بالعدالة منذ القدم لكن حتما سينتصر منطق العدل على الذل والعبودية

    • زائر 5 | 2:35 ص

      على قلوبهم اكنة لا يصل لها الا الدمار

      على قلوب اقفالها وعلى قلوبهم اكنة وضعوا اصابعهم في آذنهم
      كثير من آيات الله تناسب هؤلاء الاقوام الذين لا يسمعون الا صوت الدرهم والدينار
      لا يعبئون بخراب الوطن طالما يصلهم ما يسرق من اموال اخوتهم
      انما يأكلون في بطونهم نارا
      كل الاموال التي تسخر لشراء هذه الضمائر هي سحت واموال سوف تكون وبالا
      على من ينفقها ويستلمها بغير حق

    • زائر 4 | 2:29 ص

      من وين اجيب احساس للي مايحس؟!!!

      من وين اجيب احساس للي مايحس عمت قلوبهم وضمارئهم وحقدهم الطائفي ومصالحم تغلبت على المبادئ والقيم وخصوصاً عند الذين يتكلمون باسم الدين او يدعون الإسلام تبا لفئة باعت دينها بدنيتها

    • زائر 3 | 12:56 ص

      بارك الله فيك

      صح لسانك استاذي العزيز وبارك الله فيك
      لكن نخاطب قلوب اقفالها

    • زائر 1 | 11:13 م

      دائما مبدع

      كتاباتك دائما قوية كلماتك في الصميم لديك ثروة فكرية شكرا لك أيها المبدع

اقرأ ايضاً