العدد 3719 - الأحد 11 نوفمبر 2012م الموافق 26 ذي الحجة 1433هـ

حين يخذلك كل أولئك... حين تخذل نفسك

جعفر الجمري jaffar.aljamri [at] alwasatnews.com

-

لا أحد يتوهّم خذلانه من طرف أو أحد؛ وخصوصاً إذا تكرّر ذلك الخذلان بشكل مستفز لروحه ومستفز لمحاولاته أن يكون بمنأى عمّا يدخله في مساحة كتلك قد يكون الانجرار إليها، والاستسلام لاستدراجها نهاية ما تبقى من حصانته ووقايته من خذلانات، وما يمتُّ إليها بصِلة وفصيلة.

يحدث أحياناً أن يمارس الإنسان الخذلان على نفسه. يمارسه بركونه لما هو قائم وثابت. أن يرى في كل ذلك واقعه وحقيقته وقدرته وطاقته ومرجعيته أيضاً. لا يهمّ بعد ذلك أن يحاول استنطاق أو استجواب كل ذلك. إذا حدث ذلك، تجاوزَ الخذلان؛ وإن لم يحدث فهو في لبّ الخذلان وأصله.

يحدث كثيراً أن تخذلك النصوص التي تعوّل عليها. تخذلك النصوص التي تُسْلق لسدّ نهَم عابر. نصوص ترفع من قدْر الإنسان اليوم، وتبيعه في المزادات المفتوحة غداً. المزادات التي تخترق الجغرافيات والحدود، ولا رقيب عليها إلا الذي يملك السطوة والمال، ومن تخلّى، من غير رجعة، عن قلب قلبه (الضمير). تخذلك قوّة القناعات لدى بعضهم حين يتبرأون منها كما يتبرّأ إبليس من غوايته للإنسان. تخذلك العلاقات التي تعوّل عليها حتى بعد موتك لتفاجأ بها وقد حضّرت موتك المبكّر لتحتفل به كما يجب. يخذلك النصّابون في هيئة الدعاة لتكتشف أنهم يمارسون قماراً ورهانات من نوع آخر. يخذلك المثقف الذي يتحوّل إلى ممسحة حذاء أمام الإغراء قبل هوْل وتهديد وقمع الآلة التي تفتك بالروح وما قبلها.

يخذلك دمك بالضغط الطارئ عليه في الشارع أو أمر استدعاء ووجبة تحقيق وغدْر من توهمت أن الحياة من دونه منفى اضطراري ومهمّة عليك أن تنهيها شئت أم أبيت.

يخذلك تعلّقك بالمصادفات لأنك خذلت نفسك أساساً بمثل ذلك التعلّق.

يخذلك السَهَر الذي تعود به إلى النوم بأقل من خفّ، ودون الوهم حين تتسمّر أمام اللاشيء وأمام العدم وكأنه يدل عليك.

يخذلك الوقت حين لا تصل. حين تطلع عليك المتاهات محاصِرة إياك؛ على رغم الخرائط التي في رأسك؛ وعلى رغم الطرق والأهداف التي تزعم أنك تحفظها عن ظهر قلب.

يخذلك الأصدقاء في شراستهم في المزاج وجلسات المقاهي المزدحمة بالنميمة والوشاية حيث يُسْلمك بعضهم إلى أكثر من مذبح كي تكون موضوع فداء تافه.

يخذلك الزمن الذي تحاول اللحاق به لتنجز ما يتجاوز سنوات عمرك. أستدرك هنا، يخذلك الذين يتوهّمون أنهم حرّاس على الزمن حين يصادرون حقك في أن تخلق زمنك الإضافي في ظل أكثر من حصار يطولك ويطول روحك المنقوعة في العذاب.

يخذلك الجار الذي كنت تظنه جاراً، والزميل الذي كنت تظنه زميلاً، والعابرون الذين ادّخرتَ واختزنتَ طيبتهم في خاطرك مع تكرار لقاءات الصدفة. كل ذلك بفعل اختطاف للزمن واختطاف للمكان وخيار الإنسان فيهما. صار عليك أن تكون ضمن قائمة أعداء المكان الذي سيكون صدامه معك، لا مع أعداء خارجيين تسمع سرد الشتائم ضدهم في نشرات الأخبار الوطنية، وبات على المرحلة أن تُدخلك في حصّة تلك الشتائم والتخوين وبشراسة وضراوة أكثر سفوراً لا يحتاج إلى أي تأويل!

يخذلك الجسد الذاهب في العناء الطويل. العناء الذي لم ينته، ولن ينتهي طالما أن الأرض ومن عليها لقطة ومشاع لمن بيده أن يصرخ «أنا القويّ الأمين»، ولا يهمّ بعد ذلك أن تدقق في إحداهما ولو ثبتت لك واحدة. ولا يهم مرة ثانية مداخل ومخارج ومبررات ثبوتها. لست مالكاً لفائض أعمار في هذا الهوْل الذي يختطف الأعمار كما يختطف أحدهم لحظات لهوه وأنسه غير البريء؛ بل المليء والفائض بالدم، وكل ما أذِن به وقته من استباحات.

تخذلك الحياة حين تشاكس خياراتك التي تتيقن وتدرك أن بها صنيعك المختلف، وحضورك المتمايز، وقدرتك على الفعل الذي يحدث الفارق في حيّزك، ليمتد إلى ما بعد ذلك من حيّزات وبشر.

وفي الجانب الآخر، لا يخذلك خُدّام وقتهم ومصالحهم وخدّام وقت سواهم ومصالحهم أيضاً. أولئك بمثابة حصانة لك حين ترى التشوّهات والاستعداد للبيع السريع وبأي ثمن، تتيقن كم كنت عصيّاً على المساومة، وأن حساسيتك من حضور المزادات؛ أو حتى العبور إلى الطريق المؤدية إليها يسيء إلى روحك وقيمتك.

لا تخذلك السياسات التي ترسم في الليل وفي السراديب؛ لأنها تعاني الخذلان نفسه وإلا لما لجأت إلى الليل والسراديب لتفاجئ نهارات البشر وتربك استقرارها الطبيعي لإدخاله في دائرة أن يقرر حصّته من هو مهيمن - كما يرى - على تفاصيل كل ذلك.

لا تخذلك الحياة إذا تحدّيت الشرْط. الشرْط الذي هو بمثابة قيد غير مرئي ولا يحزّ لحمك، ولكنه يحزّ روحك بشهوة بالغة.

لا تخذلك تربيتك لنفسك وقدرتك، وبحاسّة الإنسان فيك، حين لا تصمت أمام ما/ من يهدّد الحياة ويمتهنها ويحاول إدخالها مع أطرافها تحت حيازته وملكيته الخاصة. حين تقف موقفاً كذاك تحصّن الحياة وترتقي بها بعد انحطاط وهدْر لها وللأطراف المرتبطة بها.

باختصار: حين تخذل نفسك، سيخذلك كل أولئك وبدم بارد.

إقرأ أيضا لـ "جعفر الجمري"

العدد 3719 - الأحد 11 نوفمبر 2012م الموافق 26 ذي الحجة 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 3:20 ص

      كل شيئ في هذه الدنيا ملعون ومخذول الا ذكر الله

      الانسان بطبعه يتميز بالافراط في اموره وهذا الشئ يسبب له الخذلان والياس وكما يقول بان يوجد في آخره شراب الخمر غير الموجود في هذه الدنيا لانه لا افراط في احاسيس الانسان ولا يسلب منه عقله.

اقرأ ايضاً