العدد 3690 - السبت 13 أكتوبر 2012م الموافق 27 ذي القعدة 1433هـ

تخوين الشيعة... ما مداه الدولي؟

يعقوب سيادي comments [at] alwasatnews.com

.كاتب بحريني

حينما كان الحديث دائراً قبل سنوات، حول مشروع الشرق الأوسط الجديد، أفادني أحد المطلعين، بأن أميركا قد توافقت مع دول أوروبا المعنية، وغالبية دول الشرق الأوسط وفي مقدمتها «إسرائيل»، ودول الخليج وإن كان بحد أدنى، على المبادئ العامة دون تفاصيل، على تلك الخريطة.

وقد رسم صاحبنا خريطة تقسم شعوب المنطقة إلى المذهبين الإسلاميين السنة والشيعة، وأسكن الشيعة في البحرين ومدن الساحل الشرقي من المملكة العربية السعودية، امتداداً إلى العراق، قبالة إيران شرق الخليج التي منها الأحواز والمحمرة وعبادان، وساق لي من الدلائل التي استثارت لديّ الاستهجان، حين انبرى للدفاع عن عروبة البحرين، عبر العمل على وقف التمدد الشيعي والإيراني.

مع حلول العام 2011 وثورات الربيع العربي، بان واضحاً أن هناك فعلاً مشروعاً جديداً للشرق الأوسط، ولكنه ليس كما تخيّله صاحبنا، فقد اتضحت معالمه بما يخالفه، في ما يلي: في تونس وليبيا ومصر، من بعد أفغانستان والعراق، انسل إلى سلطات الحكم فيها الإسلاميون المهادنون للغرب، أو المُتَرَبّون أيدلوجياً في الغرب، وبمساعداته المالية واللوجستية عبر معاهدات أبرمت سراً.

وإذا ما ميزنا بين الدول الخمس، فنجد أن أفغانستان وليبيا والعراق، قد حظيت أيضاً بالدعم والتزويد بالسلاح والتدريب والتدخل العسكري المباشر فيها، من أجل سرعة الحسم، وقد حظيت العراق بأكثر من ذلك، بتفكيك مؤسسات الدولة والجيش وتحطيم بنيتها التحتية. وهذه الدول لا يمكن نقل أقليات أو أكثريات شيعية أو سنية، منها وإليها فحسب، لرسم الهلال الشيعي كما أسماه صاحبنا المطلع، فبها من الإثنيات ما يربو على الأربعين.

ليبيا والعراق كأنظمةٍ عروبيةٍ معاديةٍ للغرب، كان لابد من إضعافها وكسر شوكتها، خصوصاً أنّها تحوّلت من أنظمة جمهورية ثورية كما بدأت، إلى أنظمة شمولية استبدادية، عبر خلق هالةٍ وهميةٍ لها بأن غياب أو حتى المشاركة الشعبية في نظامها، يرديها الردى، وهكذا تم الفصل بين الدولة كنظام حاكم وبين شعوبها، وقد كان سهلاً تطعيم معارضيها بالجهاديين، الذين تحاربهم أميركا في أماكن أخرى.

وفي اليمن تَفرَّد السيناريو، وتم ترتيب الأوضاع بحدٍ أدنى من التحارب، وذلك بخلق نظام بالولادة من رحم النظام القائم، مع بقاء مكوّنات ومؤسسات النظام السابق، لهيمنة وضع غير مُستقِر، والدفع لانبثاق تنظيم القاعدة من جديد، بينما تُقدّم وعودٌ بالاستثمار في سورية بعد الأسد بما تتفرد به على طريقة نظام الاحتكار الذي أسقطه نظام الغرب الاقتصادي.

من بعد تهجين جميع الدول الممانعة والمتعارضة مع المصالح الغربية والإسرائيلية، تَبَقّت سورية وحزب الله اللبناني عربياً، وإيران إقليمياً، وكان الوضع الدولي مُشجعاً عبر تحييد روسيا والصين، كما كان في الحرب على ليبيا، إلا أن موضوع سورية عبر وضوح صورة عناصر الجيش الحر واشتراك الانتحاريين على طريقة عمليات القاعدة، من جنسيات مختلفة، وتوزّع المعارضة السورية ما بين عنف وتفجيرات الجيش الحر الطائشة عبر استخدام أسلحة متطورة، لا يمكنه حيازتها لولا تزويده بها من أطراف خارجية، تورطت في تمويلها دول عربية، وفي تزويدها تركيا و»إسرائيل». وما بين سلمية المجلس الوطني السوري واختلاف وسيلته، جعل البَلَدان عضوا مجلس الأمن، يعيدان حساباتهما، ويقفان بحزم ضد أي نوع من التدخلات العسكرية وإعادة السيناريو الليبي، حفاظاً على مصالحهما في الشرق الأوسط.

وفي سياق هذه الأحداث، كانت مطابخ المؤامرة تُعِد الوليمة الكبرى، لعزل إيران ومن ثم ضربها، فبدأت المناورات على خلفية الملف النووي الإيراني الذي تصرح إيران بسلمية استخداماته، على رغم علم أميركا والغرب و»إسرائيل» وتخوفهم، من إمكانية تطوير إيران للسلاح النووي، تضاداً للملف النووي الإسرائيلي المدني والعسكري القائم. وبان ذلك حين دعوة إيران غير المباشرة، في مرحلة من المفاوضات، لجعل الشرق الأوسط خالياً من الأسلحة النووية، بما يستخلص نتيجة مفادها أن تتجرد «إسرائيل» من مفاعلاتها النووية، وهذا ما رفضه الغرب رغم كونه يحفظ توازن التسلح في المنطقة، إلا أن نتيجته أن تفقد «إسرائيل» تفوقها العسكري بامتلاكها السلاح النووي.

فسورية، إن سقط النظام فيها أو لم يسقط، سواءً ببقاء بشار الأسد أو تنحيه، فستكون الحرب الدائرة فيها طويلة المدى ومنهكةً للدولة السورية، بحيث لا يعود لها أن تكون دولة ممانعة لـ «إسرائيل» والغرب، وهذا هو المقصد الذي تسعى له أميركا وحلفاؤها، الأوروبيون و»إسرائيل» والعرب، في أصغر سيناريو محتمل، وذلك من غير أي أبَهٍ بأي من أطراف الحرب.

وتبقى إيران، التي لا تستطيع أميركا والغرب، التهديد أو ضربها بقرار منفرد، وإلا أنذر الفعل ربما بحرب عالمية ثالثة، وبما أن موقف روسيا والصين الذي برز في مجلس الأمن من بعد حرب ليبيا، جعل من المستحيل استصدار قرار أممي بذلك، فما بقى في الأوراق عدا أن تأخذ «إسرائيل» الدور، ولكن «إسرائيل» ربيبة لأميركا، فلن تستطيع ضرب إيران من دون ضوء أخضر منها، إضافةً إلى أن يدفع الباقون كلفة الحرب وتداعياتها، الأمر الذي ستتبعه تحولات في المواقف العربية والإسلامية وباقي الدول، التي ستتضرر لا محالة بما يقرب للدمار إن لم يكن الدمار ذاته، جراء الحرب بين «إسرائيل» وإيران، ليس بعيداً فيها أن تُستخدم الأسلحة النووية، أو تُضرب فيها المواقع النووية لدى البلدين، والنتيجة أنها حرب نووية، وارد فيها أن تتحول إلى حرب عالمية ثالثة.

فاستتباعاً لذلك بات لزاماً على الغرب، تفعيل ما رُسم قبلاً وهُيِّئ له، لعزل إيران إسلامياً وعربياً وإقليمياً عبر تخوين الشيعة والمذهب الشيعي، استكمالاً للعقوبات الاقتصادية، للضغط على إيران عبر المذهب الديني في توزعه الجغرافي، وهذا ما ستوضحه، معالجة ذات الموضوع على المستوى الإقليمي والمحلي، في مقال لاحق، نبين خلاله أن الشرق الأوسط الجديد، سيصل لتقسيم دوله إلى دويلات ونُواة دويلات دينية وإثنية وأقليات، لإبقاء النزاع بينها أبد الآبدين، مقابل التفوق الأميركي والغربي والإسرائيلي، ببنية دولهم المتماسكة، وحينها يتم توزيع كعكة الاستحواذ، ولكل من تلك الدول المتماسكة نصيبها، دون المبالاة بارتطام السكاكين ببعضها، فضرر ذلك على الكعكة لا السكاكين.

إقرأ أيضا لـ "يعقوب سيادي"

العدد 3690 - السبت 13 أكتوبر 2012م الموافق 27 ذي القعدة 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 21 | 11:38 ص

      فرق تسد

      هذا التعصب الديني والمدهبي والا لما استطاعت هذه الدول المستكبره تجويعنا ، فكلما اختلفنا وتعصبنا قل التفكير وزادت الكراهية بيننا وحين تزيد الكراهية بين الشعوب من الصعب ان يرى الفرد الطريق الصحيح لانه لايرى غير المذهب والطائفية وغير ذلك فهو حرام حتى لو تكالبت علينا الامم وهذا سر الى الان لم نحل طلاسمه في حين ان الاعذاء قد فطنو حين طبقوا المثل المشهور علينا نحن المسلمون فرق تسد

    • زائر 19 | 8:40 ص

      مقال رائع

      الله يرحمنا من شر الحروب ويجمع قلوبنا على المحبه والتسامح ..
      في انتظار المقال التالي
      بارك الله فيك

    • زائر 18 | 8:08 ص

      شعية فوبيا

      قيادات سياسية لعبت دور في الترويج لشيعة فوبيا الهلال الشيعي الذي اثاره احدى الدول و ولاء الشيعة لغير بلدانهم الذي اثاره مبارك المخلوع في وقت متزامن و التحرك المضاد للمقاومة اللبنانية و اتهامها بالطائفية على الرغم انشغالها بالدفاع عن فلسطين السنية و ما تلى ذلك بفتاوي تحرم الدعاء او التعاطف معها و مازال يتبادل اصدقاء امريكا التخويف من الشيعة و التشكيك بولائهم

    • زائر 17 | 7:10 ص

      الى زأر 12

      اخد لب الموضوع وستفيد وخل عنك القشر الى ما ينفع على وعسه توصل الرساله ولو ان الحجى ضايع وياكم

    • زائر 15 | 6:48 ص

      رحم الله امرئ عرف قدر نفسه

      قد لا تكون من الطرائف ولا الغرائب ولا العجائب انه من عرف قدر نفسه فقد رحم الله. بينما قد لا يتغير من لم يعرف لنفسه قدر وكيف يمجد ويبجل بعض الناس لكنه يعتدي على آخرين؟
      أم أنه ليس على قدر أهل العزم تأتي العزائم؟

    • زائر 12 | 4:46 ص

      ابراهيم شريف

      البحث عن بديل لابراهيم شريف لم يطول كثيرا ، مبروك الترقية

    • زائر 10 | 4:10 ص

      كلنا في مركب واحد

      ستأكل الاخضر واليابس .. سواءً من يؤيد أو من يعارض
      والافضل من الجميع هو ابعاد مسببات اندلاع النار ... وشكراً.
      وكلنا في مركب واحد.

    • زائر 9 | 2:46 ص

      متى نتعلم

      الغرب ينظر لمصالحة الخاصة و لا يعنيه المذاهب
      و انما يستغلها لمصالحة الخاصة فقط
      قل لكم دينكم و لي دين

    • زائر 8 | 2:45 ص

      كلامك صحيح أستاذ يعقوب

      في تصريح مسؤول الدراسات الخارجية في جامعة تل آبيب آشير سور يقول أن هناك تحالف صهيوني مع أطراف عربية وخليجية طائفية ضد (الشيعة).

    • زائر 7 | 1:48 ص

      صحيح

      كل راعي مسؤل عن رعيته فان صان الامانه صان المجتمع فان خانها حل الفساد والخراب بها.

    • زائر 5 | 1:29 ص

      شكرا استاذنا

      و في انتظار مقالك التالي

    • زائر 3 | 1:16 ص

      كل من يعارض مصالح الدول الاستكبارية فلا بد من ايجاد وصف له

      اما ان نكون شعوب كالبهائم تساق حيث يريد لها راعيها واما ان نوصف بهذه الاوصاف وغيرها
      وكل من يفكر في الخروج من بوتقة العبودية لهم فلا بد ان يكون هدفا اولا لهم لانه يمثل تهديد لمصالحهم المتمثلة جعلنا بقر حلوب

    • زائر 2 | 12:45 ص

      مقال رائع

      بارك الله فيك
      ولا ننسى الحرب على ايران وماستفعله بنا شعوب دول الخليج من كارثه حيث سنكون في مرمى الجميع

    • زائر 1 | 12:32 ص

      من يقف حجر عثرة ضد اطماع هذه الدول ماذا تريد منهم ان يصفوه

      نحن اسواق وشعوب وبقر حلوب للغرب ومصالحه واي شعب يرفض ان يكون كذلك سوف يكون عرضة لسخطهم ومسبتهم لأنهم دول استعمارية بالاساس تريد ان تأخذ منا خيرات بلادنا بابخس الاثمان ثم تعيد تسويقها علينا بأغلى الاثمان فنحن سوق رائجة وعبيد مسخرون لهم ومن يشذ عن هذا الخط فلا بد ان يصموه ويصفوه بأوصاف ونعوت مثل هذه النعوت لأنه يمثل خطرا على مصالحهم سواء أكان شيعيا او غير ذلك
      هي مصالح تلك الدول وكل من يعارضها فهو في خانة المغضوب عليهم وكون الفكر الشيعي ممن لا قبل الرضوخ لهذه الدول فهو معني بالدرجة الاولى

اقرأ ايضاً