العدد 3424 - السبت 21 يناير 2012م الموافق 27 صفر 1433هـ

قراءة دستورية في مرسوم السلامة الوطنية (7)

عبدالله الشملاوي comments [at] alwasatnews.com

محامٍ بحريني

ثامناً: انعدام الأساس القانوني في تشكيل محكمة السلامة الوطنية:

القضاء سلطة من السلطات العامة التي ينص عليها الدستور وينظم وجودها واختصاصاتها وأصول المحاكمة لديها بموجب القوانين وهي بحق أهم السلطات من حيث كونها الرقيب على باقي السلطات وأجهزتها كما هي ملجأ الأشخاص للوصول إلى حقوقهم، وبيان مراكزهم القانونية في يسر إجرائي وحَيدة تضمن تحقق مبدأ المساواة. وتنشأ المحاكم والمجالس والهيئات واللجان والأجهزة القضائية لتطبيق القواعد النافذة والمعمول بها والتي تتميز بصفة أساسية وجوهرية، بالعمومية والمساواة.

فالدولة القائمة على الشرعية الدستورية تجعل من التشريع مصدراً واحداً موحداً لتحديد وإعلان حقوق المواطنين وواجباتهم بصورة عامة، من دون أي تفرقة أو تمييز في العقيدة أو الجنس أو اللون أو الأصل، والقضاء هو السلطة المخولة بتطبيق القانون باستقلال تجاه السلطات الأخرى إلا بحدود ما يقيده الدستور بوجه صريح، بوصفه أعلى المرجعيات القانونية.

والمحاكم، من حيث المبدأ، يجب أن تكون عادية، بحيث يتقاضى الأفراد لديها ويعرفون مسبقاً وسلفاً بوجودها وقانونيتها وأصول التقاضي لديها، وهي المرجع الطبيعي بحسب الدساتير، ومنها الدستور البحريني التعاقدي للعام (1973) فضلاً عن ميثاق العمل الوطني ودستور 2002، للبت في حقوقهم. وهي تتمتع بالولاية العامة والشاملة لتطبيق القوانين. وتستقل المحاكم بكيانها، في تحقيق الدعاوى والحكم فيها، عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، من دون أن يعني هذا الاستقلال انعدام الصلة والتعاون والتأثير المتبادل بين السلطات وفق النهج الذي رسمه الدستور نفسه في المادة (32) منه إذ تقرر أن: يقوم نظام الحكم على أساس فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية مع تعاونها وفقا لأحكام هذا الدستور. ولا يجوز لأي من السلطات الثلاث التنازل لغيرها عن كل أو بعض اختصاصها المنصوص عليه في هذا الدستور، وإنما يجوز التفويض التشريعي المحدد بفترة معينة وبموضوع أو موضوعات بالذات، فتمارس وفقاً لقانون التفويض وشروطه.

وليس ثمة ما يمنع من أن ينظم القانون محاكم خاصة ويوليها اختصاص النظر بمسائل معينة ومحدودة بصورة حصرية، نظرا إلى طبيعة الحق أو الأشخاص أو الجرم، أو إلى طائفة معينة من المسائل، ولاعتبارات وطنية أو تقنية، وتلك المحاكم الخاصة، قد تكون اعتيادية الانعقاد، وبعضها محاكم استثنائية، تنعقد لمناسبة معينة أو في ظرف خاص وبنظم خاصة.

لكنه يتبادر إلى الذهن لأول وهلة من وصف المحكمة بالاستثنائية، أنها تختلف عن المحاكم العادية ذات الاختصاص العام، فالمحاكم الاستثنائية هي التي يحدد لها قانون خاص الجرائم التي تنظر فيها، والأشخاص الذين تكون مختصة بمحاكمتهم. فولاية المحاكم الاستثنائية مقيدة ببعض الجرائم في حال معين أو بفئات معينة من المتهمين. وتنقسم المحاكم الاستثنائية إلى قسمين:

أولاً: المحاكم الاستثنائية العادية: وهي محاكم ذات طبيعة خاصة، لأن المشرع أوكل إليها الفصل في جرائم معينة، ومحددة بذاتها، ويحتاج القضاة الذين ينظرون فيها إلى درجة عالية وكافية من التخصص الفني في شئونها، لكي تتحقق النتائج المرجوة من تشكيل هذا النوع من المحاكم، ومن جهة الردع المتولد عن العقوبة التي تقضي بها تلك المحاكم.

ويدخل في هذه الزمرة من المحاكم، محاكم الأحداث الجانحين والمحاكم العسكرية. وتعتبر هذه المحاكم نوعا من القضاء الطبيعي أو العادي بالنسبة إلى المتهمين أو الجرائم التي تدخل في اختصاصها، فعلى رغم طابعها الاستثنائي، فإن لها صفة الدوام، فهي دائمة الانعقاد.

ثانياً: المحاكم الاستثنائية غير العادية: تشترك المحاكم الاستثنائية، غير العادية، مع المحاكم الاستثنائية العادية في أنها تختص بنظر جرائم من نوع معين أو محاكمة فئة خاصة من المتهمين، ولكنها تختلف عنها في أنها محاكم مؤقتة بظروف معينة، ولا تنشأ عادة بالأداة التشريعية التي تنشأ بها المحاكم ذات الاختصاص العام، ولا تخضع لإجراءات المحاكمة العادية المقررة في تلك المحاكم، وهو سبب إنشائها في أوقات الأزمات المفاجئة، وتشكل هذه المحاكم عادة من غير القضاة كالعسكر منفردين أو يضم إليهم المشرع بعض رجال القضاء المدني لتلطيف الصورة وتسويق المشهد.

ولاشك أن تعبير المحكمة الاستثنائية يثير في النفس رهبة؛ لاقترانه بمفهوم قاس وغير محايد في تحقيق العدالة، ولهذا اتجهت بعض الدساتير. وهي بصدد تأكيدها للحرية الفردية والكرامة الإنسانية، اتجهت إلى النص على تحريم إنشاء المحاكم الاستثنائية، لما تجلبه من انطباع مفاده الخروج على القواعد العادية في التقاضي لصالح القواعد الشاذة التي يحكمها الهوى السياسي، وليس إحقاق الحق بالمفهوم القانوني، ويظاهر هذا النظر أن المحاكم الاستثنائية، ومنها محاكم أمن الدولة، وهي أهمها إنما تشكل في المراحل الحرجة التي يتعرض لها نظام سياسي ما، لمواجهة شكل من أشكال الاضطراب الاجتماعي الاستثنائي من شأنه تهديد كيان الدولة في ذاته.

ولقد كان القرن العشرين سخيا في إنشاء المحاكم الخاصة، أو الاستثنائية، لاعتبارات متعددة، منها الحروب والثورات التي أدت إلى نوع من عدم الاستقرار السياسي

إقرأ أيضا لـ "عبدالله الشملاوي"

العدد 3424 - السبت 21 يناير 2012م الموافق 27 صفر 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً