العدد 2656 - الأحد 13 ديسمبر 2009م الموافق 26 ذي الحجة 1430هـ

رجال صنعوا التعليم في البحرين

90 عاما من التعليم النظامي

سليم مصطفى بودبوس slim.boudabous [at] alwasatnews.com

-

90 عاما من التعليم النظامي
قد لا يدرك الجيل الجديد من المتعلمين حجم المسئولية التي كانت ملقاة على عاتق الرجال المؤسسين للتعليم في البحرين في بداية القرن العشرين. إنه من المتفق عليه أن أصعب الأمور مبادئها، فلقد جاهد جيل من المؤسسين من أجل إنشاء مدرسة الهداية الخليفية العام 1919. وبمناسبة مرور 90 عاما على هذه المناسبة المهمة في تاريخ التعليم في البحرين أرى من الضروريّ الوقوف بإيجاز على سيرة الرجال المؤسسين للمدرسة الأولى في المملكة وللتعليم النظامي عموما فأحسن بهم من رجال وأعظم بهم من مربين. وأرجو أن تقبل أرواحهم الطاهرة هذه السطور الموجزة عن حياتهم تقديرا منا لجهودهم واعترافا بالجميل نحوهم.
اقتصر التعليم في البحرين قبل القرن العشرين على الكتاتيب ثم في مطلع القرن العشرين على بعض المعاهد التعليمية التقليدية ترمي كلها إلى تعليم الناشئة القرآن الكريم وبعض ما يخدمه من العلوم الحافة به.
وإيمانا بقيمة التعليم النظامي في بناء المجتمعات الحديثة تعلقت همّة الرجال بالبحث والتفكير ثم التنفيذ والإحداث حتى كانت مدرسة الهداية الخليفية العام 1919 وذلك على أيدي رجال بررة نذكر منهم على سبيل الذكر لا الحصر الشيخ عبدالله بن عيسى بن علي آل خليفة الذي ولد في مدينة المحرق العام 1883 ونهل من علوم الدين واللغة ثم استمع إلى الشعر والخطابة على أيدي معلمين خصوصيّين بحكم الرعاية الخاصة التي أحاطه بها أبوه حاكم البحرين آنذاك الشيخ عيسى بن علي آل خليفة.
لقد ساهم الشيخ عبدالله في تأسيس مدرسة الهداية كأول مدرسة نظامية في البحرين وتولّى رئاسة إدارة مجلسها العام 1979 كما سعى جاهدا إلى إنشاء مدرسة البنات على رغم معارضة شديدة من بعض الأهالي فكان ما أراد وتأسست مدرسة للبنات العام 1926 أشرف الشيخ عبدالله على هذه المدرسة ردحا من الزمن حتى أحيلت على الحكومة للمتابعة المباشرة العام 1930.
كما كان للمغفور له يد على الكثير من شباب البحرين آنذاك بإرسال أول بعثة للدراسة على حساب الحكومة خارج البحرين، ولم تقتصر أعماله الحميدة في مجال التأسيس على ذلك بل عين كأول وزير للمعارف العام 1931 كما باشر بعد ذلك مهامَ أخرى وتوفي في 23 أبريل/ نيسان العام 1966.
أما الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة (1850 - 1933) فقد اقتدى من العلوم الشرعية فضلا عن علوم اللغة والحساب وحفظ الشعر واشتهر بمجلس علميّ تميز بمكتبة ضخمة لاتزال إلى الآن شاهدا على قيمة الرجل، ساهم مع غيره من المناضلين في حقل التعليم في وضع اللبنات الأولى للمدارس النظامية إذ عين نائبا لرئيس مجلس الإدارة الخيرية للتعليم ولقد تميّز بصلته الوثيقة بعدد من المثقفين العرب.
كما أسهم في إنشاء مدرسة الهداية المرحوم الشيخ عبدالوهاب بن حجي الزياني (1863 - 1925) إذ كانت له جهود كبيرة في نشر التعليم في البحرين وعُُيِّن نائبا لرئيس مجلس الإدارة الخيرية للتعليم.
أما المرحوم يوسف بن عبدالرحمن فخرو (1873 - 1952) فقد أسهم بأعماله الخيريّة في بناء البحرين الحديثة على أكثر من مستوى فضلا عن الصعيد التعليمي إذ جاهد مع غيره من أجل تأسيس مدرسة للتعليم النظامي الحديث في البلاد حتى كان لهم ذلك وقد عُُيِّن أمينا للصندوق بمجلس إدارة مدرسة الهداية.
إن القائمة تطول ونحن نستعرض أسماء من الجيل المؤسس للتعليم في البحرين، ونحن إذ نذكرهم الآن فليس ذلك فقط لتذكير جيل الطلبة اليوم بهؤلاء الأعلام وإنما أيضا للإشارة إلى أن مبادراتهم تلك كانت تنخرط ضمن خطّة وطنيّة رأت في التعليم الحديث المخرج الحقيقيّ من حقبة طويلة من التخلف والجهل ألقت بكلكلها على أجيال وأجيال فلم تثمر سوى الاستعمار الأمر الذي دفع ببعض هؤلاء الرجال إلى رفع لواء التعليم وسيلة لمقاومة الاستعمار ورفض الظلم فكان مصير بعضهم النفي عن الوطن.
ولكن من جهة أخرى، لابد من انحناءة مطوّلة للمعلّمين الأوائل في هذه المدارس إذ لم يكن من السهل العمل في تلك الظروف القاسية مقارنة باليوم لكن روحهم الوطنية أشعت على المدارس الأولى واستطاعوا على رغم الصعوبات أن يكوّنوا الجيل الأول من المتعلمين تعليما نظاميا والذين هم بدورهم استلموا المهمة من بعدهم – أو قل غالبيتهم - لأنهم اقتنعوا أن مهنة التعليم ضرورية لنشر المعرفة كوسيلة للرقيّ بالبلاد في مختلف مناطقها.
والدرس كلّ الدرس اليوم لأبنائنا الطلبة - حين يُقلّبون صفحات الماضي، ماضي أولئك العظام من المؤسسين والمدرسين الأوائل – أن ينتبهوا إلى جلالة مهنة التعليم، إذ نلاحظ عند غالبية شبابنا اليوم عزوفا عن هذه المهنة وخاصة في تدريس المواد الأدبية وبعض المواد العلمية لنقول لهم بمناسبة تسعينية التعليم في البحرين: ليكن الجيل المؤسس ثم الجيل الأول من المتعلمين قدوتكم ولتأخذوا المشعل عن مدرس اليوم.
إن مهنة التعليم ليست حرفة يقتات منها ممتهنها وإنما هي رسالة وطنية نضالية آمن بها الجيل المؤسس للتعليم النظامي في البحرين وهي معركة ضد الجهل والتخلف كما تعامل معها الجيل السابق من المتعلمين الذين امتهنوا التعليم بعد تخرجهم مورد رزق ورسالة تغيير فأكبر بها من رسالة وأعظم بها من مهنة.

إقرأ أيضا لـ "سليم مصطفى بودبوس"

العدد 2656 - الأحد 13 ديسمبر 2009م الموافق 26 ذي الحجة 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً