العدد 1838 - الإثنين 17 سبتمبر 2007م الموافق 05 رمضان 1428هـ

أكره التدريس

عبير إبراهيم abeer.ahmed [at] alwasatnews.com

أعلم أن الكتابة في أمور التدريس تكلفني نفسيا، وتحتاج مني، إن لم أحتكم على «ريموت كونترول»، إلى مساحات مضاعفة عن هذه الزاوية، وما محاولة سبر أغوارها هنا إلا من باب رد الجواب على استفسار قارئة عن سر عدم تطرقي إلى مشكلات المعلمين، خصوصا والصراع محتدم حاليا بينهم وبين وزارة التربية والتعليم، من أجل ما يسمى بـ «تعديل أوضاع المعلمين».

أقولها بصراحة «أكره التدريس»، ليس كمهنة، إذ لا يستطيع تجاهل دورها إلا ناكر للجميل، وإنما لـ «أوضاع المعلمين» عموما. وليس التدريس بالمعنى المطلق، وإنما التدريس التابع إلى سلك وزارة التربية والتعليم في مملكة البحرين!

كرهت المهنة منذ كنت تلميذة ثم طالبة في مدارس المملكة، وعلى رغم تفوقي في الدراسة، مازلت أعتقد أني لو درست في مدارس بلد آخر لكنت أكثر تفوقا وحبا لكسب العلم، بل وحبا للمهنة الجليلة أصلا التي أكرهها اليوم. اعتقاد آمنت بصدقيته حينما شاء القدر أن أتمم دراستي الجامعية في إحدى دول الجوار... والمفارقة المضحكة، في تخصص «التربية» لألتحق بعد ذلك بالمهنة التي أكره، ولكنها مصادفة مكنتني من المقارنة، واكتشاف الهوة التي أوقعتنا فيها (ومازالت) وزارتنا الفاضلة.

لم يكن البلد الشقيق يحتكم على مدارس راقية (شكلا) ولكنه يحتكم على عوامل بناء الشخصية، من جانب ذاتي ومجتمعي ووطني. وأقولها بصراحة أيضا: كم كنت أخجل من نفسي وأنا أواجه طفلة في الرابع الابتدائي وهي تناقش وتحاور وتتساءل بثقة وشموخ ما وجدت مثلها في بنات جيلي من خريجات مدارس البحرين!

قد تكون المناهج متشابهة نوعا ما، ولكن الاختلاف، جل الاختلاف، في أساليب التدريس. هناك طرق تستفز العقل، تعمله، تجعل المعلومة تستقر في الذهن، بل وتدفعه للبحث عن المزيد. هنا «حفظ وتلقين»، الفائز من يستطيع عن يحتكم على «فم ببغاء» تردد ما تسمع من دون علم ولا تفكير.

هناك، تلمس الاهتمام بالجانب النفسي للطالب، فممنوع على المدرس جرح مشاعر التلميذ حتى ولو بدائرة حمراء أو وجه عابس يرسم على دفتره عند خطئه، وهنا البعض لا يجد من ضير في تأنيب التلميذ وتعنيفه أمام جميع زملائه، ظنا أن في ذلك رادعا له.

هناك، المدرسون راضون «عن أوضاعهم» وإن تذمروا من نصاب حصصهم التي لا تتجاوز 18 حصة في الأسبوع، فرواتبهم تفوق الألف دينار، وباب التظلم مفتوح لهم، وفي الغالب ترد ظلاميتهم. وهنا، يحسدونك إن كنت مدرسا على راتبك العالي (بالنظر إلى الرواتب عموما) وهو لا يتجاوز راتب فراش في جارتنا العزيزة، يعطى إليك نظير 22 حصة في الأسبوع، إن لم يكن أكثر، وإن لم تدرس مادة أخرى إضافة إلى مادتك الأساسية، عوضا عن الأنشطة ودروس التقوية ومناوبة الفسحة ومراقبة دخول التلاميذ وخروجهم من المدرسة.

وإن جئت إلى العلاقة بالوزارة، فالظاهر المصرح به «باب الوزارة مفتوح»، وفي الباطن «مقفل»، بل «ممنوع» بحسب حراس أمن الوزارة، الذين مافتئوا يذكروننا بـ «قانون أمن الدولة» المفترض أنه أقبر مع العهد الإصلاحي لجلالة الملك المفدى، بطريقة منعهم للمراجعين من الدخول إلى «بلاط صاحبة الجلالة»، عوضا تخوف بعض المدرسين من التعبير عن رأيهم جهارا، أو المطالبة بحقوقهم. هناك، المدرس المبدع/ المبتكر يكرم ويقدر بأحسن تقدير. وهنا، حتى المبدعون من المدرسين قتلهم الإحباط والتجاهل، فعزفوا عن التجديد وركنوا إلى الأسلوب القديم «حفظ وتلقين». هناك، تنتهي مهام المدرس بانتهاء دوام عمله، فلا واجبات يحملها معه إلى البيت ولا هم يحزنون، يذهب إلى البيت للراحة فقط، فالخدم والحشم يقومون بتوفير كل السبل إلى ذلك. وهنا يحمل المدرس عمله/ همه/ تعبه/ أعصابه المنفلتة إلى البيت، ليبدأ الدوام الآخر!

أقولها صراحة ثالثة: بت أكره حتى الجلوس في جلسة تجمع عددا من المدرسات، إذ الأحاديث نفسها: شكوى/ تذمر، يعلوهما إحباط ويأس من صلاح الحال.

ولا أنكر أبدا أن أصبت بالإحباط أنا الأخرى، بعد أن كنت قد بدأت أشجع نفسي على حب المهنة، ممنية النفس بعدم الاستسلام لـ «سرطان الوزارة» ومقاومته بما اكتسبت من تجربتي، ولكنه كان أقوى مني فرفعت الراية البيضاء واستقلت نهائيا بعد شهر ونصف الشهر فقط من التحاقي بسلك التدريس، ومازلت بعد ما يقارب 4 سنوات مؤمنة بصواب «قراري» طالما انتصرت لذاتي. وعلى ذلك فالأمل يحدونا بأن تجد المهنة منتصرين لها قلبا وقالبا، إن لم يكن لأجلنا فلأجل الجيل القادم، فـ «لو خليت خربت».

إقرأ أيضا لـ "عبير إبراهيم"

العدد 1838 - الإثنين 17 سبتمبر 2007م الموافق 05 رمضان 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً