العدد 15 - الجمعة 20 سبتمبر 2002م الموافق 13 رجب 1423هـ

هل تفتح جزيرة ليلى ملف سبتة ومليلة؟

المغرب ـ إسبانيا... التصعيد المحسوب!

محمد دلبح comments [at] alwasatnews.com

.

حرّك اختبار القوة الذي بادر به شخصيا الملك محمد السادس في شهر يوليو/ تموز الماضي بإرسال عدد جد محدود من الجنود إلى جزيرة ليلى (توره) النار التي أبقتها المصالح المشتركة سنوات تحت الرماد. فالحرب الدبلوماسية والإعلامية التي يخوضها الطرفان منذ ذلك التاريخ، لا تنحصر، كما يراها المراقبون، بمواضيع مثل قضية الصحراء الغربية والهجرة السرية وتهريب المخدرات، وحتى ملف الصيد البحري الشائك. ذلك، لأن المسألة أهم وأبعد من هذا التشخيص بكثير، وأيضا من جميع التباينات الطافية على السطح. إذ أن لب النزاع يتمحور حول صراعات على المصالح ذات الطابع الاقتصادي والاستراتيجي التي دخلت على خطها أطراف خارجية مؤثرة في المنطقة.

وتؤكد المؤشرات والمعطيات المتوافرة حتى الآن، أن الأزمة القائمة بين الجارين، الإسباني والمغربي، مرشحة لأن تطول، إلا إذا قرر الطرفان الرئيسيان ـ بمساعدة حلفاء وأصدقاء مشتركين ـ الاتفاق، بشكل نهائي هذه المرة، على الجلوس حول طاولة المفاوضات لرسم استراتيجية مستقبلية جديدة، يتحدد من خلالها دور كل واحد، كذلك حقوقه وواجباته. فالذي حدث أخيرا لم يكن رمانة، بل قلوب مليانة. والأزمة لم تبدأ مع القرار الذي اتخذه العاهل المغربي بالتصعيد عشية زواجه وقبل أسبوعين من احتفاله الثالث بالجلوس على عرش المملكة المغربية. تصعيد أراد من خلاله ليس فقط تأكيد سيادة بلده على هذه الصخرة، بل وضع جميع الملفات الأخرى العالقة على الطاولة، خصوصا في الوقت الذي بدأت فيه المفاوضات بين بريطانيا وإسبانيا حول مستقبل مضيق جبل طارق. فرصة من غير الممكن والمقبول بالنسبة إلى الملك محمد السادس عدم التقاطها والاستفادة من التغييرات الجغراسياسية التي ستنبثق عنها.

على أية حال، لابد من التذكير بأن النزاع بدأ عمليا منذ أكثر من ثمانية أشهر. ففي شهر أكتوبر/ تشرين الأول من العام 2001، سحب المغرب سفيره لدى إسبانيا عبدالسلام بركة. رسالة، أرادت من خلالها الرباط إظهار استيائها من الضغوطات التي حاولت مدريد ممارستها عليها عشية وخلال فترة ترؤسها للاتحاد الأوروبي، عبر تحريك نشطاء البوليساريو من جهة، وتعطيل الملفات، وخصوصا الزراعية المطروحة، في بروكسل، وتشجيع صحافتها على التعرض الشخصي للملك والعائلة، الذي يعتبر مساسا بالقيم المقدسة المغربية. من جهة أخرى، فالأزمة الدبلوماسية التي برزت في حينه، كانت بمثابة تحذير أولي، حسب قول المسئولين المغاربة، وليست بداية للنزاع. فالمواجهة التي حصلت لاحقا تعكس عمليا حال عدم الاستقرار التي تلف منطقة غرب المتوسط، التي شهدت غالبية بلدانها تحولات خلال العقد الماضي.

سياسة «الاستفزاز المحسوب»

أخطأ الكثير من المحللين في الأيام الأولى للمواجهة، التي انتهت باحتلال الجيش الإسباني للصخرة، التقدير، لناحية الاعتبار بأن ملك المغرب لم يحسب جيدا خطوته التصعيدية، كما لم يأخذ في الاعتبار ميزان القوى العسكري الذي يميل سلفا لصالح مدريد والسياسي أيضا، كون هذه الأخيرة عضوا في الاتحاد الأوروبي. مع ذلك، ربما غاب عن بال هؤلاء أن للمليك الشاب حلفاءه الغربيين الفاعلين في أوروبا وخارجها ـ تحديدا في فرنسا والولايات المتحدة الأميركية ـ ممن «استأنس» برأيهم، قبل شروعه في هذه العملية. ولقد ظهر ذلك واضحا بالتالي من خلال المواقف «الضاغطة وديا» على الصديقة والحليفة إسبانيا، لإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل أيام. فلم يعارض خوسيه ماريا أثنار ومحيطه اليميني الشوفيني رغبة الأصدقاء، التي تقاطعت مع التبدل الملفت الذي طرأ على موقف ممثلي الاتحاد الأوروبي، في طليعتهم «رومانو برودي». هذا الأخير، الذي اعتبر في البداية أن المغرب قد انتهك السيادة الإسبانية، ليتراجع فيما بعد، بقدرة قادر، ليقول: إن «الأمر لا يعدو كونه خلافا يمكن حله بالتفاوض».

تدخلت الولايات المتحدة وجمّدت النزاع على طريقتها، مفهمة الأوروبيين بالدرجة الأولى، أن المسألة الرئيسية تكمن أولا وأخيرا في تأمين حماية «المضيق»، وأن مسئولية هذا الممر الجغراستراتيجي، منوطة بشكل مشترك بحليفيها، أوروبا في الضفة الشمالية، والمغرب في الضفة الجنوبية، وأن الاختلافات الأخرى، خارج هذا الإطار، يترك حلها بين البلدين عبر المفاوضات الثنائية، حتى ولو تطلب الأمر اللجوء، في بعض الحالات، إلى محكمة العدل الدولية بلاهاي. فالاتصالات الهاتفية المكثفة التي أجراها وزير الخارجية الأميركي «كولن باول» لاحتواء الأزمة، فسرّها المغاربة على أنها مساندة سياسية ومعنوية لهم كأصدقاء لأميركا. في المقابل، عبّرت الدوائر المسئولة في «المركز الوطني للإعلام»، أي جهاز المخابرات الخارجية الإسباني، الذي يشرف عليه، السفير السابق لدى المغرب «جورج ديسكالار»، امتعاضها بصمت، مع انتقاد شديد داخلي للسلطة التنفيذية التي تهاونت بكرامة إسبانيا وسيادتها وانسحبت من دون مقابل.

في هذا السياق، لا يكف المحللون الأوروبيون عن التساؤل عن الأسباب الحقيقية التي دفعت ملك المغرب إلى إنزال عسكري رمزي على هذه الصخرة، وزرع علمين مغربيين في الوقت الذي يحتفل فيه بزواجه، وعلى مسافة شهرين من تنظيم أول انتخابات تشريعية في عهده؟

عن هذا، يجيب أحد كبار الدبلوماسيين الأميركيين من الذين عملوا في المغرب في عهد الملك الراحل الحسن الثاني وبعده بقليل، أن هذا «الاستفزاز» كان محسوبا، ولم يتم لو لم تكن هنالك مصالح بل وضمانات له من صديقين فاعلين وقادرين على ذلك. بمعنى آخر، فإن الملك محمد السادس كان واثقا من أن العملية الرمزية لابد أن تخلق ردة فعل إسبانية عسكرية، وأن ميزان القوى بأشكاله كافة ليس في صالحه. على رغم هذا الواقع، لم يتراجع عن هذه الخطوة، لأنه بعد التشاور مع «من يهمه الأمر»، أي باريس وواشنطن، أراد أن يضع بلده في صلب عملية إعادة الصياغة الجغراسياسية، الجارية حاليا بين إسبانيا وبريطانيا حول مستقبل مضيق جبل طارق. «الآن أو أبدا»، هذا ما ذكره العاهل المغربي، أمام قادة الجيش والدرك الملكي، الذي عُلم أن بعضهم أبدى تخوفا من تبعات الإنزال في الجزيرة. بذلك، أراد محمد السادس وضع جميع الملفات العالقة على الطاولة مرة واحدة، المهمة والأقل أهمية، بدءا بالصحراء الغربية ومستقبل مدينتي سبتة ومليلة، مرورا بالجزر الخالدات وليلى، وانتهاء بملف الصيد البحري، الذي لم تعد الرباط تريد بحثه، وخصوصا أنها أعلنت أنها في طريق تنويع شركاتها في هذا المجال، بحيث لن تعود الأولوية، في أية حال من الأحوال، للأسطول الإسباني.

فالمغرب، الذي يدرك مسبقا وجيدا، أنه لم يتمكن من انتزاع الجزء الأكبر من مطالبه لدى إسبانيا، بدأ يبرز شيئا فشيئا خططه وأوراقه الهادفة إلى الضغط المباشر على إسبانيا. ويعتبر مشروع توسيع ميناء طنجة وإنشاء منطقة للتبادل التجاري الحر ـ التي أعطت واشنطن الضوء الأخضر لها أخيرا - رأس الحربة في اختبار القوة المقبل مع مدريد وحكومة أثنار. هذه الأخيرة التي تخشى من أن يؤدي قيام هذا المجمع الذي تبلغ كلفته 11 بليون درهم (حوالي بليون دولار)، والذي تشارك في تمويله دول عربية خليجية، إضافة إلى شركات أميركية وفرنسية ـ مع استبعاد الإسبانية ـ إلى خنق مدينتي سبتة ومليلة اقتصاديا وتجاريا وخلق مشكلات اجتماعية تزيد من حجم البطالة المرتفع أساسا في وجه الحكومة الإسبانية. وتجدر الإشارة، إلى أن المدينتين تعيشان من التهريب باتجاه المغرب الذي يبلغ حجم وارداته سنويا 1,3 بليون دولار. في الوقت نفسه، لا تخفي السلطات الإسبانية قلقها من سعي المغرب الحثيث لتعزيز ترسانته العسكرية باقتناء أسلحة متطورة منها فرقاطتان من نوع «فلوريال» مجهزتين بصواريخ «أكزوسيت» وطائرات مروحية من طراز «بانتر» ودبابات روسية الصنع وطائرات أميركية من نوع «إف 16»، بعد أن كانت الرباط قد تفاوضت مع مدريد سابقا على تجهيز قواتها بالسلاح الإسباني.

اتهامات بحجم المصالح

في الخطاب الذي ألقاه في 30 يوليو الماضي، بمناسبة عيد العرش، لم يكتفِ الملك محمد السادس بالتركيز كالعادة على الوضع الداخلي والتوجهات الواجب اعتمادها في المستقبل، بل وجه سؤالا ورسالة في آن معا إلى القيادة الإسبانية. في الشق الأول طلب من حكومة أثنار «أن تختار أي نوع من العلاقات تلك التي تريدها مع المغرب؟»، وفي الشق الثاني، أبلغها «بأن بلاده لن تتخلى أبدا عن بوصة واحدة من أراضيها». ما فسرته الأوساط المراقبة بمثابة المخاطبة من موقع الثقة بالنفس و«الرسملة» بدعم الأصدقاء والحلفاء الذين لا يريدون، على ما يبدو، ألا تتجاوز أسبانيا الحدود والحجم المرسوم لها في دائرتها اليورو-متوسطية؟ كذلك من موقع معرفة حال التخبط التي تعيشها حكومة أثنار من الداخل. هذه الأخيرة التي لم تتردد، عبر بعض أعضائها، من اتهام فرنسا بلعب «دور مزدوج»، واتهام رئيسها شيراك في الكواليس بتحريض العاهل المغربي على محاولة وضع حد «للنفوذ» الإسباني المتزايد اقتصاديا وسياسيا منذ سنوات في بلده.

بمعنى آخر، يمكن الاستنتاج بأن وراء أكمة المناوشات الدبلوماسية والإعلامية الحاصلة حاليا، تلال من الصراعات حول جملة من المصالح الاقتصادية والمالية والاستراتيجية، ونشوء مجموعات ضغط تعمل لحساب إسبانيا، بدأت تؤثر في الحياة السياسية المغربية. ففيما تشكو الشركات الإسبانية من استبعادها عن المشاريع الرئيسية والصفقات لصالح الشركات الفرنسية ـ غير القادرة على المنافسة برأيها ـ والبريطانية والأميركية، ترد المصادر المغربية على ذلك بالقول: إن مصلحة المملكة فوق كل شيء، وان اللوبي الذي أنشأته مدريد في السنوات الأخيرة لم يعد يتردد بالتدخل في كل شاردة وواردة. وتتهم السلطات المغربية هذا اللوبي، المرتبط مباشرة بأجهزة الاستخبارات الإسبانية، بأنه يقف وراء الحملات الإعلامية التي استهدفت العرش العلوي ورئيس الوزراء عبدالرحمن اليوسفي، كذلك كبار الجنرالات، الذين اتهمهم بالتعاطي بالأعمال التجارية وبالسيطرة على القرار في المملكة. من جهة أخرى أظهرت بعض التقارير التي سربتها الجهات المغربية المختصة، أن عدد الشركات الإسبانية الكبيرة والمتوسطة الحجم قد وصل بنهاية 2001 إلى ما يقارب المئتين. فعمالقة الصناعة الإسبانية، من أمثال تليفونيكا للاتصالات، وروكا، ويونيون فيفوسه المنافسة لمجموعة يندي يونيفرسال في مجال إنشاء شبكات المياه والكهرباء ومحطات تحلية المياه، وأنديسا، وريد إلكتريك، وربمول النفطية، وبعض البنوك مثل «بانكو ستاندردر» وغيره من الذين دخلوا في رساميل البنوك التجارية المغربية الخاصة، حاولوا السيطرة في وقت من الأوقات على مقدرات السوق والتأثير في بورصة الدار البيضاء للأوراق المالية. على ذلك، يرد الإسبان بالقول إن استثماراتهم واستيرادهم الذي تضاعف في سنوات قليلة للمنتجات المغربية، ساهم في تحسين الوضع الاقتصادي الصعب وخفف من معدل البطالة، كون المشاريع التي اضطلعت بها الشركات الإسبانية خلقت فرص عمل جديدة في جميع القطاعات. وأشارت إلى إن إجمالي صادرات المغرب باتجاه الأسواق الإسبانية الذي كان بحدود 4,11 بلايين درهم (الدولار = 11 درهما تقريبا) قد ارتفع إلى 11,51 بليون درهم بنهاية العام 2001.

ويرى المسئولون الإسبان أن الدور الذي تلعبه فرنسا عبر شبكاتها المتواجدة في المغرب على كل المستويات، هو الذي يشجع الملك محمد السادس على السير قدما في التصعيد مع مدريد، ومحاولة التخلص تدريجيا من الوجود الاقتصادي والمالي الإسباني. كذلك، إقناعه بأن أثنار يستهدف، عبر بناء قاعدة عسكرية لمراقبة الاتصالات في محيط جبل طارق، التجسس على المغرب واستخدامها ضده مستقبلا، خصوصا في حال قيام حرب في الصحراء الغربية. في السياق نفسه، تتابع أجهزة الاستخبارات الإسبانية عن كثب، عملية إطلاق القمر الصناعي المغربي «زرقة اليمامة»، كذلك، التقدم التكنولوجي الحاصل على البرنامج النووي لجارتها على الضفة الجنوبية، التي تؤكد الرباط أنه يعود إلى غايات مدنية.

بانتظار حدوث مفاجأة في ظل زيادة التعقيدات على مستوى العلاقات الثنائية، خصوصا بعد تأجيل الاجتماع الذي كان مقررا بين وزيري خارجية البلدين في مدريد خلال الشهر الجاري إلى موعد لاحق، يبقى الحذر سيد الساحة. هذا في الوقت الذي يردد كبار المسئولين المغاربة أمام ضيوفهم أن الاستراتيجيين الإسبان لايزالون يبذلون ما في وسعهم كي يبقى الجيش الملكي المغربي والدولة منشغلين بمشكلة الصحراء الغربية كي لا يلتفتوا نحو الشمال، باتجاه سبتة ومليلة

العدد 15 - الجمعة 20 سبتمبر 2002م الموافق 13 رجب 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً